الراضي بالله.. آخر خليفة عباسي يعتلي منبر الجمعة
شهدت السنوات الأخيرة اكتشافًا أثريًا لافتًا في محافظة الفيوم، أعاد تسليط الضوء على واحدة من أهم المحطات النقدية في التاريخ الإسلامي فقد كشفت اللفافة الكتانية التي ضمت دنانير ذهبية للخليفة العباسي الراضي بالله، عن خيوط حكاية تختلط فيها السياسة بالاقتصاد، وتمتد من بغداد إلى مصر قبل تأسيس القاهرة الفاطمية.
الخليفة الشاعر وآخر من خطب الجمعة
تميَّز الخليفة العباسي الراضي بالله، الذي امتدت خلافته لست سنوات فقط، بصفات قلّ أن تجتمع في غيره من خلفاء بني العباس؛ فكان آخر من اعتلى منبر الجمعة خطيبًا، وآخر من جالس الندماء، وآخر من دوّن الشعر بين الخلفاء.
ولد في رجب سنة 297هـ، وبويع له بعد خلع عمّه القاهر سنة 322هـ وهو في الخامسة والعشرين من عمره ورغم ما عُرف عنه من سماحة وكرم وأدب وفصاحة، فإن خلافته شهدت تراجعًا حادًا لنفوذ الدولة العباسية، إذ انفرد ولاة الأقاليم بالسلطة، وبرزت دول كالإخشيدية في مصر وحمدانيّي الموصل والسامانيين في خراسان، بينما تعاظم نفوذ البويهيين في فارس، وفي تلك الفترة، كان العالم الإسلامي يخاطب ثلاثة خلفاء في وقت واحد: الراضي في بغداد، والمهدي الفاطمي في المغرب، وعبدالرحمن الناصر في الأندلس.
توفي الراضي بالله سنة 329هـ بعد معاناة مع مرض استسقاء الكبد، ودُفن في مقبرة الرصافة عن عمر لم يتجاوز الثانية والثلاثين.

اكتشاف دنانير الفيوم
في نوفمبر 2020، عُثر في الفيوم على كنز صغير مكوّن من 28 دينارًا ذهبيًا و5 قطع مجزأة، جميعها ترجع للعصر العباسي، وضمت المجموعة دنانير للمعتصم والمقتدر بالله، إضافة إلى عشرة دنانير للراضي بالله نفسه.
تكمن أهمية هذا الكشف في كونه يوثق المرحلة الأخيرة من تداول العملة العباسية في مصر قبل انتقالها إلى الحكم الفاطمي فحين وصل القائد جوهر الصقلي إلى مصر عام 358 هـ ليؤسس القاهرة، أصدر «الدينار المُعزّي» نسبة للخليفة المعز لدين الله الفاطمي، مع الإبقاء مؤقتًا على «الدينار الراضي» ولكن بقيمة أقل.

ومع إصرار المعز، على تحصيل الخراج بالدينار الجديد، تراجعت قيمة الدينار العباسي وسُحب من التداول تدريجيًا، ليختتم بذلك فصلًا مهمًا من تاريخ النقد العباسي في مصر، ويؤسس لنظام نقدي جديد يعكس قوة الدولة الفاطمية وثراءها القائم على ذهب بلاد السودان.
إن دنانير الراضي بالله ليست مجرد قطع من المعدن النفيس، بل وثائق حية تكشف تطور الاقتصاد والسياسة، وتدلل على التحولات الكبرى التي شهدها العالم الإسلامي في نهاية العصر العباسي.