هل نعيش تحت هيمنة خفية؟.. دانيال بيك يشرح تاريخ غسيل الأدمغة
في كتابه الجديد "غسيل الأدمغة.. تاريخ التحكم في العقول"، الصادر عن دار الساقي بترجمة أسعد المعلوف، يعود الباحث البريطاني دانيال بيك إلى جذور مفهوم "غسيل الدماغ" وتحوّلاته، كاشفاً كيف انتقل من وصف ممارسات الأنظمة الشمولية إلى آليات خفية تتسلل اليوم عبر التكنولوجيا الحديثة والمنصات الرقمية، ليثير سؤالاً وجوديًا حول حدود الحرية الفردية في عصر الاتصال الكاسح.
الجذور التاريخية لمفهوم غسيل الأدمغة
ولد مصطلح "غسيل الدماغ" في خمسينيات القرن الماضي على يد الصحافي الأميركي إدوارد هانتر، الذي رصد خلال الحرب الكورية تصاعد أساليب السيطرة على العقول لدى الأنظمة الشمولية.
وقد وضع هانتر إطارًا نظريًا ينظر إلى الظاهرة كتحالف خطير بين الأيديولوجيا والتكنولوجيا والعلوم النفسية، قادر على إعادة تشكيل وعي الأفراد ضمن الدول المغلقة، سواء في الصين الشيوعية أو الأنظمة السوفياتية والنازية خلال الحروب العالمية ومع الوقت، توسّع استخدام المصطلح ليطال التيارات المتطرفة، والطوائف الدينية، والأدوات الدعائية التي تفرض رواية واحدة وتعيد تشكيل السلوك الجمعي عبر العزلة الفكرية والرموز الطقسية.
من الأنظمة المغلقة إلى المجتمعات المفتوحة
يرى دانيال بيك أن المصطلح لا ينتمي حصراً للديكتاتوريات، بل يمتد إلى البيئات المفتوحة نسبيًا. ففي عالم شديد التشابك، يتعرض الأفراد لروايات مضللة ووعود براقة وتأكيدات زائفة يمكن أن تؤثر في خياراتهم من دون وعي.
ويشير إلى أن تقنيات الإقناع الخفي، التي بدأت عبر التلفزيون والإعلانات، تطورت اليوم لتصبح أشد دقة بفضل البيانات الضخمة والخوارزميات والنماذج السلوكية.
وينبّه بيك إلى أن ما يشبه "غسيل الأدمغة الرقمي" بات جزءًا من الاستخدام اليومي لمنصات التواصل الاجتماعي، التي تجمع بين الإدمان والتحفيز المستمر وخوارزميات التفضيل، ما يجعل المستخدمين عرضة لإعادة تشكيل انفعالاتهم وآرائهم.

تهديدات معاصرة في عصر الاتصال
تُظهر أمثلة معاصرة، وفق الكتاب، أن التحكم بالعقول لم يعد محصورًا بجماعات متطرفة أو أنظمة مغلقة، بل ببرمجيات تسوّق المحتوى وتوجّه السلوك، وتصل إلى البيانات الشخصية بدقة غير مسبوقة وفي ظل صعود الشعبوية والتح polarisation، أصبحت الرسائل القصيرة والصور والموسيقى أدوات للتأثير الجماهيري على نطاق واسع.
ويستعيد الكاتب الأميركي فانيس باكارد في "المقنعون الخفيون" مخاوف مبكرة من قدرة التكنولوجيا الإعلانية على التسلل إلى الحياة الخاصة للأفراد، وهو ما يرى بيك أنه يتجلى اليوم بصورة أعنف وأعمق بفضل هيمنة المنصات الرقمية.
أزمة الإنسان أمام السلطة غير المرئية
يخلص بيك إلى أن الأزمة الراهنة لا تتعلق بمفهوم "غسيل الدماغ" كفعل مباشر، بل بقدرة الأنظمة الرقمية الحديثة على تشكيل الوعي وتوجيه السلوك بطرق دقيقة وغير محسوسة، تذيب الفروق بين الإقناع الطبيعي والتأثير الموجَّه، وفي مواجهة هذا الطوفان من المعلومات، يصبح السؤال الأهم: كيف يحافظ الإنسان على مساحة حريته الداخلية؟