الانتخابات فعل سياسي ينظمه القانون، لا شيء يُحفز طاقات الديمقراطية ومخاوفها وآمالها وإحباطاتها مثل الانتخابات. فجودة الانتخابات تُحدد الفرق بين النارٍ الهادئة المُشتعلة للطهي، والنار المُدمرة التي قد تحرق البيت. وكم من انتخابات نجحت في تهدئة أمةٍ واستقرارها، لكن أيضًا ما أكثر انتخابات مختلف عليها قد تُمزقها. عندما يتعلق الأمر بجودة الانتخابات، فإن قاعدتنا الأساسية ليست الحكم على عدالة النظام الانتخابي أو اللوائح الانتخابية (إذا كان يُنظر إليها عمومًا على أنها خيار ديمقراطي مشروع)، بل تقييم ما إذا كانت القواعد والنصوص القانونية المنظمة للسياق الانتخابي، بصيغتها المكتوبة، تُطبق بإنصاف ودون تحيز.
إذا سحبنا ما سبق على الانتخابات البرلمانية المصرية الحالية، نجد أن مصر تمتلك إطار قانوني مماثل لما هو متبع في الديمقراطيات المتقدمة الراسخة؛ بداية من الدستور المصري 2014 وتعديلاته لعام 2019، ثم قانون مباشرة الحقوق السياسية رقم 45 لسنة 2014 وتعديلاته، وقانون مجلس النواب رقم 46 لسنة 2014 وتعديلاته، ثم قانون تقسيم الدوائر، وانتهاء بمدونة السلوك الانتخابي الصادرة في مايو 2025 والتي جاء في صدر أهدافها "ترسيخ مبادئ الديمقراطية ودعم العملية الانتخابية". وجميع هذه القوانين أقرب ما تكون للمثالية في نصوصها، وبما استقر عليه في التشريعات الديمقراطية. لكن التطبيق في الانتخابات الأخيرة جاء مغايرًا تمامًا. ولعل نتائج الدوائر الــ 19 الملغاة خير دليل- مع مراعاة توجهات التصويت العقابي ضد مرشحي الأحزاب اعتراضًا على اختيارات الأحزاب- لكن في المجمل العام جاءت النتائج ما بعد الفيتو الرئاسي التاريخي، سواء من حيث نسب المشاركة أو حتى نتائج المرشحين صادمة، وأن تلك الدوائر ما قبل الإلغاء افتقرت للحد الأدنى من المساواة وتكافؤ الفرص كما أكدت عليه مدونة السلوك الانتخابي الصادرة عن الهيئة الوطنية للانتخابات. مع الأسف اختصرنا جودة العملية الانتخابية في نسب المشاركة، وانصب كل التركيز على تحقيق نسب مشاركة مرتفعة مع إهمال جودة باقي المحددات الانتخابية وعناصر العملية الانتخابية.
لذلك؛ كان من المهم قبل هذه الانتخابات أن يشرع القائمون على إدارة العملية الانتخابية من الأحزاب والقوى السياسية قبل الهيئة الوطنية للانتخابات في الإجابة على عديد الأسئلة المتعلقة بجودة العملية الانتخابية مثل: هل يُمكن تطبيق التشريعات الانتخابية؟ هل يُنظر إلى الإطار الانتخابي على نطاق واسع على أنه عادل ويحظى بالرضاء الشعبي؟
هل نحن نطبق أنظمة عادلة وفعالة لتحديد حدود الدوائر الانتخابية وتوزيع المقاعد وفقًا لقواعد التمثيل العادلة سياسيًا وسكانيًا؟ ما نسبة الناخبين الذين يحتاجون إلى تثقيف وتوعية سياسية وانتخابية، وما نسبة الناخبين الذين تلقوا بالفعل تثقيفًا يُسهّل مشاركتهم الفعالة؟ في حال وجود نظام يتيح الوصول إلى وسائل الإعلام المملوكة للدولة، هل يطبق بشكل عادل؟ هل توجد أنظمة معمول بها لمنع شراء الأصوات؟ هل تجرى عمليات الفرز بنزاهة ودقة؟ هل الفرز شفاف ويعكس بدقة عدد الأصوات في مراكز الاقتراع؟ هل النتائج متاحة بسهولة للجمهور العام المهتم؟ هل يجرى الفرز دون تأخير غير مبرر؟ هل يسمح للأحزاب والمرشحين بمراقبة الفرز؟ وغيرها من الأسئلة والمعايير الواجب الاستناد إليها، والإجابة عليها عند كل انتخاب عام لنعرف أين نقف.
لكن من المحنة تكون المنحة؛ فلننظر لهذه الانتخابات وما شابها من حالة أحب أن أطلق عليها "عدم استقرار انتخابي" تستوجب المراجعة والتقييم، وإعادة النظر فيما يجب إعادة النظر فيه على أنها منحة، لنقيم نحن أنفسنا ونصلح بأيدينا قبل أن يقيمنا الآخرون.