من يتأمل المشهد السياسي خلال الفترة الأخيرة سيلاحظ أن إسرائيل كلما اشتد عليها الضغط الدولي للالتزام باتفاق السلام تلجأ إلى ابتكار روايات جديدة تحاول بها تشتيت الانتباه أو خلق مسارات جانبية تبعد التركيز عن جوهر أزمتها في غزة، ومن بين هذه الروايات ما يتعلق بادعاء وجود تفاهمات مع مصر لفتح معبر رفح بهدف خروج الفلسطينيين من القطاع الأمر الذي سارعت الدولة المصرية إلي نفيه، وهو ما يؤكد أنها ليست مجرد شائعة عابرة، بل محاولة منظمة لصناعة سردية تخدم مشروعًا واضحًا يريد فرض واقع جديد على الأرض.
لقد أثبت الواقع أن حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل ما زالت تتعامل مع الفلسطينيين كرقم تفاوضي في صراعها الداخلي والخارجي، حيث تلجأ إلى أساليب الابتزاز السياسي والمناورات الإعلامية لتقليل الضغط الدولي والاتهامات بارتكاب جرائم الحرب والإعلان عن “تفاهمات” مع مصر بشأن فتح معبر رفح، على الرغم من وجود اتفاقيات واضحة في شرم الشيخ، في محاولة منها لإيهام العالم بأنها تعمل ضمن أطر قانونية وإنسانية، بينما تستمر في تأخير المرحلة الثانية من الاتفاق، والتي تتضمن إخراج المدنيين بشكل منظم وآمن.
إن تلكؤ الحكومة الإسرائيلية في تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة، وسعيها للضغط على مصر والشعب الفلسطيني من خلال اتخاذ إجراء أحادي مخالف لبنود اتفاق شرم الشيخ؛ يؤكد أن حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل ما زالت تتبنى مشروع التهجير القسري للفلسطينيين حتى آخر لحظة، وليس فقط منهج التسويف والمماطلة وعدم الرغبة في الانتقال إلى المرحلة الثانية.
ولفهم دوافع هذه المزاعم، يجب النظر إليها باعتبارها جزءًا من أسلوب أوسع تتبعه إسرائيل منذ سنوات، يقوم على إلقاء المسؤولية على أطراف أخرى كلما بدا أن خطوة تريد اتخاذها لا يمكن تبريرها قانونيًا أو سياسيًا، ورواية “التفاهمات” تمنح الاحتلال فرصة للهروب من تهمة السعي لتهجير الفلسطينيين قسريا؛ لأنها تحاول إقناع المجتمع الدولي بأن هناك اتفاقًا إقليميًا يقبل بخروج سكان غزة، وهو ما لم يحدث من الأساس، هكذا تتحول القضية من سؤال عن نوايا إسرائيل، إلى نقاش مفتعل حول ما إذا كانت هناك تفاهمات عربية.
أما اختيار مصر تحديدًا ليتم الزج باسمها في هذه الرواية، فليس أمرًا عبثيًا، القاهرة هي الطرف الأكثر ثِقلًا وتأثيرًا في ملف غزة، ومنذ بداية الحرب أعلنت موقفًا ثابتًا وواضحًا لا لبس فيه: رفض مطلق لأي سيناريو يقود إلى تهجير الفلسطينيين أو تغيير التركيبة السكانية للقطاع أو إعادة رسم الحدود بأي شكل، هذا الموقف يغلق الباب أمام أي مشروع إسرائيلي لدفع الفلسطينيين إلى خارج أرضهم، ولذلك يصبح من مصلحة إسرائيل التشكيك فيه، أو على الأقل خلق التباس حوله.
من المهم أيضًا إدراك أن القاهرة تعرف أن خروج الفلسطينيين من أرضهم، حتى لو جاء تحت ضغط الحرب أو بدعوى إنسانية، يعتبر نقطة تحول خطيرة في الصراع كله، فالتهجير يمنح الاحتلال فرصة لإعادة توزيع الأراضي، ويضرب الأساس الذي يقوم عليه حل الدولتين، ويخلق واقعًا أمنيًا معقدًا على حدود مصر، ويفتح الباب أمام سيناريوهات تهدد سيناء بشكل مباشر، لذلك فإن رفض التهجير ليس مجرد موقف تضامني، بل قرار مرتبط بمصالح قومية عليا.
وفي قلب هذه الأزمة يقع معبر رفح، وفتحه في اتجاه واحد لخروج الفلسطينيين إلى مصر، "لا يعني إلا تنفيذ مخطط التهجير القسري" بينما الاتفاق ينص على تشغيله في الاتجاهين وهي نقطة حساسة يتم التعامل معها أحيانًا في الخطاب الإسرائيلي كأنها بوابة جاهزة لاستقبال موجات من النازحين، لكن هذا التصوير بعيد تمامًا عن الحقيقة؛ حيث تتعامل مصر مع المعبر باعتباره منفذًا إنسانيًا يهدف لإدخال المساعدات وإجلاء المصابين، وليس ممرًا للهجرة أو النزوح، الفرق بين الأمرين كبير، لكن إسرائيل تحاول دائمًا خلط الأوراق لتصوير الرفض المصري للتهجير وكأنه رفض للإغاثة، بينما يعلم الجميع أن الاحتلال هو من يعرقل دخول المساعدات، ويغلق الممرات الآمنة ويقصف المناطق المحيطة بها.
ورغم كل ذلك، تستمر إسرائيل في إطلاق هذه الروايات؛ لأنها جزء من معركة السرديات التي تخوضها إلى جانب معركتها العسكرية، فكلما ضاق عليها الخناق سياسيًا وحقوقيًا، تلجأ إلى خلق ضباب إعلامي يربك الأطراف ويخفف من حدة الانتقادات، وفي هذه الحالة فإن محاولة الإيحاء بوجود تفاهمات مع مصر تمنح إسرائيل فرصة للالتفاف على الاتهامات الدولية، وتوفر لها مساحة تبرر بها أي تصعيد أو قرارات مستقبلية تتعلق بالسكان.
الحقيقة أن القاهرة لا تحتاج إلى الرد على كل رواية تطلق هنا أو هناك؛ لأن مواقفها واضحة ومعلنة، ولأن إدارتها للملف الفلسطيني ليست جديدة أو طارئة، مصر لعبت دورًا مركزيًا في كل تهدئة، وكل مفاوضات تبادل، وكل محاولات رأب الصدع الفلسطيني الداخلي وهي تفعل ذلك انطلاقًا من قناعة ثابتة بأن استقرار المنطقة يبدأ من ضمان بقاء الفلسطينيين على أرضهم، وحماية هويتهم الوطنية من أي محاولات للاجتثاث أو الإزاحة.
في النهاية، تبقى الحقيقة الأساسية أن الحرب في غزة ليست فقط مواجهة عسكرية، بل مواجهة على الرواية أيضًا وإسرائيل، التي تجد صعوبة في تبرير ما ترتكبه يوميًا أمام العالم، تلجأ إلى خلق قصص جانبية تتعلق بأدوار دول أخرى لكن هذه الروايات تسقط بسرعة عندما تقارن بالواقع وبالمواقف الرسمية الواضحة، ومهما تكرر الحديث عن "تفاهمات" أو "اتفاقات ضمنية"، سيظل الموقف المصري ثابتًا، لا خروج للفلسطينيين من أرضهم، ولا قبول بأي صيغة قد تفتح الباب لتهجيرهم، ولا مساومة على هوية غزة أو مستقبلها.
هذا الثبات المصري ليس فقط دفاعًا عن الفلسطينيين، بل هو أيضًا دفاع عن استقرار المنطقة وعن الأمن القومي لمصر، وعن مبدأ أساسي في السياسة الدولية أن الشعوب لا تنتزع من أرضها، وأن الاحتلال لا يملك حق إعادة توزيع البشر كما يحلو له، ولذلك ستظل القاهرة تقف في وجه أي سيناريو يهدف إلى تفريغ غزة أو إعادة تشكيلها ديموغرافيًا، مهما تعددت الروايات وتغيرت العناوين.