بحر الكوكايين يغرق أوروبا بـ 6 ملايين مستهلك
يعد ميناء أنتويرب بوابة أوروبا الرئيسية للمخدرات، والكميات المضبوطة تكسر الأرقام القياسية لعامها السابع على التوالي، في ظل تحول القارة العجوز إلى وجهة رئيسية للكارتلات العالمية بعد تشبع السوق الأمريكي.
وكشفت صحيفة “البايس” الإسبانية، أنه لم يعد استهلاك الكوكايين وتجارته في أوروبا ظاهرة هامشية، بل تحول إلى سوق ضخم يدر أكثر من 11.6 مليار يورو سنوياً، ويستهلكه أكثر من ستة ملايين شخص، أي ضعف العدد المسجل قبل 20 عاماً.
في الوقت الذي تبلغ فيه عمليات ضبط المخدرات أرقاماً قياسية، باتت بلجيكا، وتحديداً ميناء أنتويرب، تمثل نقطة الصفر لهذه الأزمة المتصاعدة.

ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، لم يسبق أن بلغ إنتاج واستهلاك الكوكايين عالمياً ما بلغه اليوم، متجاوزاً 3700 طن في عام 2023 - أي أربعة أضعاف ما كان عليه قبل عقد من الزمن، وتؤكد الوكالة أن الكوكايين أصبح "المخدر غير المشروع الأسرع نمواً في السوق".
أنتويرب: عاصمة الكوكايين الأوروبية
تحولت بلجيكا إلى أكبر مصادر ضبط الكوكايين في أوروبا، حيث صادرت أكثر من 500 طن بين عامي 2019 و2024، 90% منها جرى في ميناء أنتويرب، الذي يُعد أكبر بوابة لدخول المخدرات إلى القارة.
يصف جاك فاندرميرين، الرئيس التنفيذي لميناء أنتويرب، التحدي:"لتفتيش جميع الحاويات (14 مليوناً سنوياً)، سنحتاج إلى فحص ثماني حاويات في الدقيقة، 365 يوماً في السنة، ليلاً ونهاراً، هذا مستحيل".
وتُشير التقديرات إلى أن أكثر من 90% من الكوكايين يصل إلى أوروبا عبر البحر. ويرى المهربون في أنتويرب، ببنيتها التحتية الحديثة واتصالاتها بـ 800 وجهة وقربها من هولندا وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، جنة لتطوير أعمالهم غير المشروعة.

تحول المحور العالمي: أوروبا كوجهة رئيسية جديدة
تقليدياً، كان مركز إنتاج الكوكايين يتركز في دول الأنديز الثلاث (كولومبيا وبوليفيا وبيرو)، وكان السوق الأمريكي هو المستهلك الأكبر. لكن هذه الصورة تتغير بسرعة، حيث دفع تشديد الرقابة في الأمريكتين وتشبع السوق الأمريكي المُهربين للبحث عن وجهات جديدة.
يبلغ متوسط سعر الكيلوغرام بالجملة في أوروبا الغربية والوسطى حوالي 39 ألف دولار، مقارنة بـ 1400 دولار في كولومبيا.
يربط سيباستيان كوترونا، الخبير في شؤون المخدرات، صعود أوروبا كوجهة بالآثار غير المرغوبة لعسكرة "الحرب على المخدرات" في أمريكا اللاتينية.

للعام الخامس على التوالي، تجاوزت كميات الكوكايين المصادرة في أوروبا نظيرتها في أمريكا الشمالية، حيث صادرت وكالة مكافحة المخدرات الأوروبية (EUDA) 419 طناً.
ويؤكد أنطوان فيلا، الباحث في (UNODC)، أن السوق الأوروبية "أصبحت على قدم المساواة" مع نظيرتها الأمريكية من حيث عدد المستهلكين ونقاوة المخدرات.
العنف والفساد: الثمن الباهظ للتدفق
شهدت أنتويرب تصاعداً في العنف المنظم، حيث أصبحت الهجمات بالقنابل وإطلاق النار أكثر شيوعاً، وهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالصراع على الميناء.
وعلى عكس بروكسل، حيث تدور المعارك للسيطرة على الأراضي، يركز المجرمون في أنتويرب جهودهم على ترهيب المتعاونين والانتقام من المخبرين، وتستخدم العصابات، ولا سيما الهولندية والبلجيكية، القُصر لتهريب المخدرات أو "جنيها" من الحاويات داخل الميناء، ويتم استغلالهم كونهم يُستبدلون بسهولة ولا يدخلون السجن عند القبض عليهم، بل يودعون في إصلاحيات.

يروي بول ماير، رئيس عصابة سابقة عملت 15 عاماً في أنتويرب، أن "الثقة والفساد والاتصالات داخل الميناء" هي مفاتيح نجاح التهريب، مشيراً إلى أنهم كانوا يدفعون رشاوى لموظفي الجمارك والعمال مقابل المعلومات.
في عام 2024، اعتُقل 100 شخص بتهمة جني المخدرات في الميناء، 16 منهم من القُصر، هذا العام، ارتفع العدد إلى أكثر من 200، منهم 40 دون سن 18 عاماً.
المافيا الألبانية: مهيمنون جدد
تشير تقديرات الشرطة الأوروبية (يوروبول) إلى أن أكثر من 440 منظمة متخصصة في الاتجار بالمخدرات تعمل على حدود الاتحاد الأوروبي، وتبرز الشبكات الألبانية، إلى جانب الشبكات البلجيكية والهولندية والإيطالية والإسبانية، كأكثر المجموعات نفوذاً في تجارة الكوكايين.
تصف الباحثة فاطمة مجديني الشبكات الألبانية بأنها "تجار الجملة الكبار في السوق الأوروبية"، حيث تبيع لـ "مافيا موكرو" (Mocro Maffia) والهولنديين والروس، وتعمل هذه الشبكات في خلايا صغيرة ومرنة وتجنب المواجهة المباشرة، مدركة أن "الدم والتباهي يجذبان انتباه الشرطة".

الجدل حول الحلول
بعد أن انخفضت الكميات المضبوطة في بلجيكا إلى 44 طناً العام الماضي (65% أقل من 2023)، أكدت الشرطة البلجيكية أن ذلك لا يعني توقف وصول المخدرات، بل يشير إلى تنويع المهربين للطرق.
وبات تشديد الرقابة في أنتويرب وروتردام يؤدي إلى "تأثير العدوى"، حيث تنتقل طرق التهريب إلى موانئ أقل حراسة مثل السويد والنرويج، في ما يصفه مسؤولون بـ "لعبة القط والفار".
ومع تزايد الأزمة، تتسع دائرة النقاش حول ما إذا كانت بلجيكا قد تحولت إلى "دولة مخدرات"، وهل يمكن أن يكون تقنين المخدرات حلاً. لكن وزيرة العدل البلجيكية أناليس فيرليندن ترفض ذلك، قائلة: "يبدو لي من الوهم أن نقنن هنا ونتجاهل أنها ظاهرة عالمية".
ويختتم التقرير بإشارة إلى أن قوانين العرض والطلب العالمية تحكم هذه المعركة. ففي شوارع بروكسل، يقول "خوان"، وهو مستهلك إسباني يعيش هناك: “ما كان لدينا كل هذه المشاكل لو لم يكن الأمر غير قانوني. لقد تم تطبيع الأمر إلى حد كبير”.