رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

كارثة «جوهرة التاج».. اكتشاف بؤرة فيروسية في برشلونة يغلق 20 سوقاً عالمياً

طاعون الخنازير في
طاعون الخنازير في العالم

يعد قطاع الثروة الحيوانية الإسباني، الذي نما بشكل هائل ليصبح الرابع عالمياً والأول أوروبياً في إنتاج لحم الخنزير، يواجه تهديداً وجودياً بعد اكتشاف بؤرة للفيروس في إقليم برشلونة، مما أدى إلى إغلاق نحو 20 سوقاً عالمياً رئيسياً أمام منتجاته.

 

يمثل قطاع الخنازير الإسباني "جوهرة التاج" في الثروة الحيوانية الوطنية ومحركاً رئيسياً للصناعات الغذائية الزراعية. فقد شهد القطاع نمواً غير مسبوق في العقود الأخيرة، محولاً إسبانيا إلى قوة عالمية، بحسب صحيفة “ألبايس” الإسبانية.

 

تضم إسبانيا، حالياً أكثر من 33 مليون رأس من الخنازير، وتم ذبح 54 مليون حيوان في عام 2024، مع صادرات بلغت حوالي 8.8 مليار يورو، تحتل إسبانيا المرتبة الرابعة عالمياً في عدد الخنازير، خلف الصين (434 مليوناً)، والولايات المتحدة (75 مليوناً)، والبرازيل (42 مليوناً)، وهي بلا منازع القوة الرائدة في أوروبا.

المناطق المصابة في إسبانياا
المناطق المصابة في إسبانياا

 شبح "طاعون الخنازير الأفريقي" يعود بعد 30 عاماً

في عام 2015، أزاحت إسبانيا ألمانيا عن عرش الإنتاج الأوروبي، خصوصاً بعد أن دخل القطاع الألماني في "سقوط حر" إثر وصول طاعون الخنازير الأفريقي (PPA) إلى مزارعها. هذا الفيروس لا ينتقل إلى البشر، لكنه فتاك بالحيوانات، وما زالت السلطات الألمانية غير قادرة على استئصاله. واليوم، يخيم التهديد نفسه على إسبانيا.

في 28 نوفمبر الماضي، تم الكشف عن بؤرة لـ (PPA) في خنازير برية بحديقة كولسيرولا (برشلونة). وعلى الرغم من عدم تسجيل أي حالة إيجابية في مزارع الخنازير المجاورة، فإن السوق الإسباني بدأ يشهد تراجعاً في الأسعار، والقطاع يحبس أنفاسه بانتظار تطورات تفشي المرض.

صادرات إسبانيا من الخنازير
صادرات إسبانيا من الخنازير

ميغيل أنخيل هيغويرا، مدير الرابطة الوطنية لمنتجي الخنازير (Anprogapor)، يلخص القلق: "نطالب ببذل كل الجهود. إذا تفشى الفيروس، فستكون لدينا مشكلة كبيرة جداً."

 كيف صعدت إسبانيا بعد أزمة الفيروسات

بدأ قطاع الخنازير الإسباني في الانطلاق بقوة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بعد استئصال فيروس PPA (الذي ظهر في إسبانيا عام 1965 وتم القضاء عليه نهائياً في 1995) وبؤر الطاعون الكلاسيكي.

ويرجع نجاح إسبانيا إلى عدة عوامل، أبرزه امتلاك مساحات واسعة من زراعة الحبوب اللازمة لتغذية الحيواناتـ منتجات ذات قيمة عالية، أبرزها لحم الخنزير الأيبيري (الذي يمثل 11% من الإجمالي ويساهم بقوة في سمعة القطاع)، وسمح القضاء على الفيروسات بإبرام اتفاقيات تصدير واسعة.

تراجع الصادرات الإسبانية بعد الوباء
تراجع الصادرات الإسبانية بعد الوباء

 النموذج الإسباني: السيطرة عبر "الاندماج"

أحد العناصر الفارقة في تجاوز إسبانيا لمنافسيها الأوروبيين هو نموذج "الاندماج" (Modelo de Integración). أوضح خاومي بيرنيس، مربي وعضو في اتحاد المزارعين (COAG)، أن هذا النموذج قلل المخاطر على المزارعين الصغار تتولى الشركات الكبرى (مثل مجموعة فويرتيس وإل بوزو) ملكية الخنازير والأعلاف، وتوفر هذه الشركات الدعم الفني والصحي، مما يمكنها من تحمل تقلبات الأسواق والأزمات، ويقوم المزارعون بتربية الحيوانات وإدارة المزارع تحت مظلة هذه الشركات.

وبينما كانت المزارع المندمجة تمثل 50% من الإنتاج قبل 15 عاماً، فإنها الآن تتركز في 80% أو أكثر، مما سمح للمزارع بالاستثمار في الأمن البيولوجي والرفق بالحيوان، ما جعل إسبانيا مرجعاً عالمياً لفتح أسواق أكثر صرامة.

المنتجات المتضررة من اللحوم
المنتجات المتضررة من اللحوم

 الخسائر الأولية وإغلاق الأسواق

تُرجم الخوف من تفشي الفيروس بالفعل إلى تداعيات تجارية واقتصادية سجل سعر لحم الخنزير في بورصة ميركولييدا (المرجع الوطني) تراجعاً قدره 20 سنتاً في أسبوع واحد، وهو انخفاض لم يُشهد منذ دخول اليورو، وأغلقت نحو 20 دولة، بما في ذلك أسواق رئيسية مثل اليابان والمكسيك، حدودها أمام الواردات الإسبانية؛ إذ لا تقبل هذه الدول أي منتجات من بلدان بها بؤر نشطة للطاعون الأفريقي.

 الصين: طوق نجاة مؤقت

على الرغم من الأخبار السيئة، هناك نقطة مضيئة واحدة تضمن استمرار جزء كبير من الصادرات: الصين، حيث تُعد الصين السوق الأهم خارج الاتحاد الأوروبي، وتستورد 521 ألف طن سنوياً، بقيمة قياسية بلغت حوالي 1.2 مليار يورو في عام 2023.

كبار الدول المستوردة للخنازير الإسبانية
كبار الدول المستوردة للخنازير الإسبانية

وقعت مدريد وبكين اتفاقية "تجزئة المناطق" قبل حوالي ثلاثة أسابيع من اكتشاف البؤرة، تسمح لإسبانيا بمواصلة التصدير إلى الصين باستثناء المنتجات القادمة من المنطقة القريبة من العدوى (مقاطعة برشلونة).

كما وقعت أسواق أخرى، مثل المملكة المتحدة وسنغافورة، بروتوكولات مماثلة، لكن دولاً أخرى مثل الفلبين أعلنت عن فرض حظر شامل.

 استهلاك محلي قياسي

بالإضافة إلى قوتها التصديرية، تعد إسبانيا المستهلك الثاني في العالم للحم الخنزير للفرد، بمعدل 56 كيلوغراماً سنوياً، متفوقة على المتوسط الأوروبي والعالمي.

يُصر جوزيبي ألويسيو، المدير العام للرابطة الوطنية لصناعات اللحوم الإسبانية (ANICE)، على أن "زعامة القطاع لا تُفقد بسبب حادث صحي عابر"، مشدداً على أن إسبانيا لديها أحد أقوى أنظمة الأمن البيولوجي في أوروبا. لكن القطاع يترقب بحذر مصير مليارات اليورو المعرضة للخطر في حال فشلت السلطات في احتواء الفيروس.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء