80% من النمو الاقتصادي الإسباني على أكتاف المهاجرين| تقرير
كشف تقرير موسع لصحيفة “البايس” الإسبانية، أن 80% من النمو الاقتصادي الإسباني بين 2019 و 2025 يُعزى إلى السكان الأجانب وخاصة من اللاجئين والمهاجرين، رغم تصاعد خطاب اليمين المتطرف المناهض للهجرة في أوروبا وإسبانيا.
تُظهر البيانات الاقتصادية الصادرة عن مؤسسات كبرى مثل البنك المركزي الأوروبي (ECB)، وبنك إسبانيا، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، والاتحاد الأوروبي، وصندوق النقد الدولي (IMF) أن الهجرة في إسبانيا ليست مجرد ظاهرة اجتماعية، بل هي محرك رئيسي للنمو الاقتصادي.
وفقاً للبنك المركزي الأوروبي، 80% من النمو الذي سجلته إسبانيا بين عامي 2019 و2025 يعود إلى الزيادة في عدد السكان الأجانب. وتعزز هذه الأرقام الاعتقاد بأن تأثير الهجرة على الاقتصاد الإسباني "إيجابي بحت".
ومع ذلك، تخفي الأرقام تحدياً هائلاً: ففي الوقت الذي يسعى فيه المهاجرون إلى الاندماج، تواجه الأمة الإسبانية اختباراً للحفاظ على قدرتها على الترحيب وسط خطاب سياسي متشدد بشكل متزايد في أوساط اليمين.
أوروبا: جاذبية لا تقاوم وشيخوخة صامتة
يظل عبور الحدود الأوروبية أمراً جذاباً للغاية، لأسباب اقتصادية واجتماعية وإنسانية. تشير التقديرات إلى أن المهاجرين الاقتصاديين يضاعفون رواتبهم بين 4 إلى 12 ضعفاً بمجرد الوصول.
كما أن مغادرة مناطق الصراع والفقر ترفع متوسط العمر المتوقع للأطفال المستقبليين بنحو 30 عاماً، وتجذبهم فكرة "دولة الرفاهية" التي بناها الاتحاد الأوروبي بعد الحربين العالميتين.
لكن القارة تواجه "شتاء ديموغرافي" قاسياً؛ فمتوسط عمر سكان الاتحاد الأوروبي الذي كان 37 عاماً في 2003، يتوقع أن يتجاوز 52 عاماً بحلول 2050. وتعد إسبانيا، إلى جانب إيطاليا وجمهورية التشيك، من بين الدول ذات أدنى معدلات الخصوبة عالمياً.
يؤكد خبراء الديموغرافيا، مثل أندريس رودريغيز-بوز من كلية لندن للاقتصاد، أن “التدهور الديموغرافي قادم لا محالة”، ولنزع فتيل هذه "القنبلة الموقوتة"، يرى المحللون أن الخيار الأنجع هو مزيج من النمو الاقتصادي والهجرة، في ظل صعوبة خيارات أخرى مثل تقليص الخدمات العامة، أو رفع الضرائب، أو زيادة سن التقاعد، أو حتى رفع معدلات الخصوبة.
إسبانيا الاستثناء: النمو القوي يمتص الصدمات
في الوقت الذي تضاعف فيه أوروبا أسلاكها الشائكة وتشديد سياسات الهجرة، ظلت إسبانيا استثناءً ملحوظاً. فقد ارتفع عدد سكانها من 40 إلى 50 مليون نسمة في العقود الثلاثة الماضية بفضل الهجرة، ويعود هذا التفرد إلى عدة عوامل، ومنها نمو اقتصادي أقوى، حيث ينمو الاقتصاد الإسباني بأكثر من ثلاثة أضعاف معدل نمو الاتحاد الأوروبي، وخلق فرص العمل، حيث تمكنت إسبانيا من خلق ثلاثة ملايين وظيفة في السنوات الخمس الماضية.
تعترف مصادر في بروكسل بأن الحكومة الإسبانية اتبعت تدابير أقل حدة مقارنة ببقية القارة، كما أن قدرة الإسبان على الترحيب لا تزال إيجابية.
وبينما تستقبل إسبانيا أكثر من 600 ألف مهاجر سنوياً، فإن حوالي 10% فقط من إجمالي الوافدين إلى إسبانيا وإلى الاتحاد الأوروبي هم من المهاجرين غير الشرعيين، ومع ذلك، فإن الخطاب السياسي بأكمله يركز على هذه النسبة الصغيرة.
الهجرة: حقائق اقتصادية تدحض المخاوف
تؤكد المؤسسات الاقتصادية والمالية الرئيسية أن المهاجرين يساهمون بشكل إيجابي في المالية العامة، حيث أسهم السكان الأجانب بـ 80% من النمو بين 2019 و2025. كما ساهموا بربع الزيادة في الناتج المحلي الإجمالي للفرد بين 2022 و2024.
أدت الموجة الأخيرة من الهجرة إلى زيادة عدد المشتركين في الضمان الاجتماعي بـ 1.1 مليون شخص، والمهاجرون هم الأقل عمراً (متوسط 32 عاماً مقابل 44.5 للإسبان)، وهم مفتاح قطاعات الرعاية (72%) والضيافة (48%) والإنشاءات (34%)، وكذلك المهن العلمية والتقنية (25%).
يساهم المهاجرون بأكثر مما يكلفون، حيث يدفعون حوالي 1600 يورو صافي سنوياً في المتوسط، مقارنة بـ 1500 يورو للمواطنين، ويقدمون 21 مليار يورو سنوياً لخزينة الضمان الاجتماعي (10.6% من الإجمالي)، بينما يتلقون 1% فقط من المعاشات التقاعدية.
ويشير تقرير للمفوضية الأوروبية إلى أن المهاجرين "يعوضون العجز في مساهمة المواطنين"، وأن تكلفة الإنفاق العام لكل مهاجر تقل بمقدار الثلث عن تكلفة المواطن الإسباني، فهم يميلون إلى استخدام أقل للتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية.
تصاعد الخطاب المتشدد والمغالطات الأكاديمية
على الرغم من هذه الأرقام الإيجابية، بدأ الخطاب السياسي في إسبانيا يتأثر بالتيارات المتطرفة الأوروبية، مع صعود أحزاب مثل فوكس (Vox) و أليانسا كاتالانا (Aliança Catalana). وقد بدأت أحزاب يمين الوسط، مثل الحزب الشعبي (PP) و خونتس (Junts)، في تبني مواقف أكثر تشدداً تجاه الهجرة.
وتثير بعض الأصوات الأكاديمية أيضاً الجدل، مثل الخبير الاقتصادي البارز خيسوس فرنانديز-فيافيردي، الذي زعم أن الهجرة "تكلف الإسبان مالاً" على المدى الطويل، وأن إسبانيا لا يجب أن تستقبل "مهاجراً واحداً بدون شهادة جامعية".
وقد انتقدت العديد من المؤسسات، بما في ذلك بنك إسبانيا والمفوضية الأوروبية، هذه الاستنتاجات، مشيرين إلى أن فرنانديز-فيافيردي يعتمد على استقراء بيانات من الدنمارك ذات ظروف اندماج مختلفة (حيث يمثل اللاجئون جزءاً كبيراً من المهاجرين)، في حين أن حوالي 40% من المهاجرين في إسبانيا هم من أمريكا اللاتينية، مما يسهل الاندماج الثقافي واللغوي.
الاندماج هو مفتاح النجاح
يُجمع الخبراء على أن الاندماج هو العامل الحاسم لتجنب الآثار السلبية المحتملة للهجرة على المدى الطويل. ففي حال حدوث الاندماج، من المتوقع أن تزداد مساهمة المهاجرين بشكل أكبر.
ومع أن التنبؤات تشير إلى أن الهجرة الإسبانية ستستقر عند نحو 250 ألفاً سنوياً بعد 2027، فإن الأمم المتحدة تتوقع انخفاضها إلى أقل من 100 ألف، ولكن كل الدراسات تتنبأ بـ “مستقبل مظلم للديموغرافيا (والاقتصاد) بدون المهاجرين”، فبدون هجرة حتى 2060، من المتوقع أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي الإسباني بنحو 30% وأن يعود عدد السكان إلى 40 مليون نسمة.
في الختام، بينما تنتشر رؤية الأزمة المهاجرة الدائمة، تؤكد الأرقام أن الهجرة في إسبانيا ليست ضخمة مقارنة بالأنماط التاريخية وليست مُدمرة على المستوى الوطني، بل هي محفز للنمو، ولكن الخطر يكمن في تحول النقاش من الحقوق والاقتصاد إلى التركيز على الأمن، وهو ما يعزز المخاوف الاجتماعية غير المبررة ويفتح الباب أمام الشعبوية اليمينية المتطرفة.