اليمن يشتعل مجددا.. هل ينجح المجلس الانتقالي الجنوبي في مشروع الانفصال؟
تصاعدت التوترات في جنوب وشرق اليمن خلال الأيام الماضية بعد مواجهات مسلحة وسيطرة لقوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي على مواقع جديدة، في ظل دعوات شعبية لاعتصام حتى إعلان «الاستقلال» وتصريحات باستهداف مديريات مثل مكيراس، إلى جانب تحركات في أرخبيل سقطرى.
في المقابل يواصل المجلس الرئاسي (برئاسة رشاد العليمي) اتصالاته الإقليمية، بما في ذلك زيارات متكررة إلى الرياض، في وقت تبدو فيه السعودية طرفاً حاسماً في تحديد مسار الأحداث، التقرير التالي يقدّم قراءة ميدانية لما يحدث، آخر المستجدات المعلنة، وتأويلات للسيناريوهات المحتملة وتأثيرها على المنطقة.
ملخص الحقائق الميدانية
أفادت تقارير دولية ومحلية باندلاع اشتباكات بين قوات حكومية (تابعة للمجلس الرئاسي/الجيش الوطني) وقوات الانتقالي الجنوبي في محافظات شرقية وجنوبية، لا سيّما في بعض مناطق حضرموت والوادي، مع سيطرة عناصر من «الانتقالي» على نقاط ومناطق استراتيجية في أجزاء من حضرموت وقرب الحدود العُمانية.
أصدرت جهات جنوبية بيانات ونشرت بيانات ميدانية تدعو الساحة الشعبية إلى اعتصام شامل «حتى إعلان الاستقلال» في الجنوب، كما تصاعدت دعوات محلية وهجمات إعلامية تطالب بتحرير مديريات محددة بينها «مكيراس» في سياقات خطابية أعلنها مسؤولون محليون وقادة فصائل.
سقطرى شهدت أيضاً تحركات سياسية وعسكرية وتحشيداً من قادة جنوبيين، مع تأكيدات رسمية جنوبية بأنها «جزء من المشروع الوطني الجنوبي» وبيانات تطالب بتوحيد الإدارة والقدرة العسكرية في الأرخبيل.
أين تقف الرياض وقيادة الشرعية؟
الرئيس رئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي وقيادته يتواصلون مع الرياض ودول المنطقة لبحث تطورات المشهد، وكان سفر العليمي إلى الرياض أول أمس بحسب ما ذكره الإعلام المحلي ومشاوراته هناك جزءاً من التحركات السياسية الرئاسية وخصوصا خلال الأشهر الماضية، وهو عامل قد يعطي السعودية هامش تأثير واسع على مسار الأحداث. تعويل كثير من الأطراف الإقليمية على الدور السعودي كمرتكز لتثبيت أو تعديل أي تسوية داخلية.السعودية تملك أدوات ضغط (دبلوماسياً وعبر وساطات) مع كلا الطرفين — الحكومة والانتقالي — وقد تمثّل مواقف الرياض الفيصل بين محاولة احتواء التصعيد أو القبول بترتيبات مؤقتة لإدارة الجنوب. مواقف الرياض ستكون حاسمة إذا تصاعد العنف بصورة تهدد مصالحها الإقليمية أو خطوط الملاحة والتعاون الأمني.
الاعتصام الجنوبي.. حقيقة أم مناورة سياسية؟
الدعوات الشعبية للاعتصام حتى الاستقلال تُروّج بقوة من قبل مناصرين للانتقالي والهيئات الاجتماعية الجنوبية، وقد تحوّل بعضها إلى فعاليات شعبية كبيرة في مدن عدن ولحج وأبين، لكن قدرة هذا الاعتصام على الانتقال إلى سلطة فعلية (إعلان دولة قابلة للحياة) تعتمد على قدرة الانتقالي على السيطرة الإدارية والمالية والقوة العسكرية للحفاظ على هذا المكسب. حتى الآن تبدو الدعوات وسيلة ضغط سياسي وميداني أكثر منها عملية تلقائية لإعلان دولة فورية.

تحركات في مكيراس وسقطرى لماذا تهم هذه المناطق؟
مكيراس (مديرية في محافظة البيضاء)
وردت أنباء عن تصريحات محلية تطالب بتحريرها وضمها لما يُسمّى «الجنوب»، وهي خطوة رمزية وجغرافية (مكيراس تقع قرب حدود محافظات الجنوب التقليديّة) قد تؤدي إلى تصاعد مواجهات مع قوات محلية شمالية أو محايدة، هذه الخطوات تهدف إلى توسيع رقعة النفوذ الجنوبي خارج إقليم عدن وحضرموت.
سقطرى:
الأرخبيل جوهري للسيادة والتموضع الاستراتيجي في البحر العربي، وأي توتر أو تغيّر في وضع الجزيرة يلقى اهتماماً إقليمياً ودوليًا. بيانات مسؤولي الانتقالي عن «الالتزام بسقطرى» تُظهر رغبة في تأمين الأرخبيل سياسياً وعسكرياً كجزء من أي مشروع جنوبي مستقل.
السيناريوهات المحتملة
بحسب توقعات الخبير فى الشأن العربي والدولي د. محمد سيد أحمد لـ "إيجبتك"
سيطرة جزئية وإدارة مزدوجة (الأكثر احتمالاً):
استمرار الانتقالي في توسيع نفوذه ميدانياً وإدارياً في محافظات جنوبية وشرقية مع إدارة أمر واقع محلية (عدن، لحج، أبين، أجزاء من حضرموت)، بينما تظل الشرعية الحالية معترفة دولياً وتتحكم في وزارات ومؤسسات الدولة في أماكن أخرى. هذا سيناريو يركّز على فصل عملي وليس إعلان دولة فوري.
تسوية إقليمية بوساطة الرياض (محتمل):
وساطة سعودية/إماراتية تقود إلى اتفاق لتقاسم السلطة والموارد (مناصب أمنية، موارد نفطية، مؤسسات محلية) مقابل وقف دعوات الانفصال رسمياً. هذا يعتمد على قدرة الرياض والإمارات في الضبط والضمان.
تصعيد عسكري واسع واشتباكات ممتدة (مخيف لكنه ممكن):
تصاعد للقتال بين قوات الحكومة والانتقالي قد يؤدي إلى نزوح واسع، تعطيل لموانئ حيوية، وتقليل فعالية مكافحة تنظيمات مثل القاعدة وداعش في الساحل والجزر. هذا السيناريو مرهون بخطوات تصعيدية لا يمكن للسعودية أو الشركاء الإقليميين تجاهلها.
انفصال فعلي وإعلان دولة جنوبية (الأقل احتمالاً على المدى القصير):
رغم الشعارات والدعوات، فإن بناء دولة قابلة للبقاء يحتاج موارد مالية، اعتراف دولي، مؤسسات أمنية مستقرة؛ لذا يبقى هذا السيناريو ممكنًا على المدى المتوسط/الطويل لكنه يواجه عقبات عملية وسياسية كبيرة.
ماذا يعني ذلك لمصر والمنطقة؟
الأمن البحري وقناة السويس: أي زعزعة استقرار في البحر العربي وخليج عدن قد ترفع تكلفة التأمين على الشحن وتقلب حركة التجارة العابرة للقناة.
كما أكد الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس فى تصريحات سابقة له أن أزمات البحر الأحمر أثرت سلبًا على سوق النقل البحري وسلاسل الإمداد العالمية.
الاستقرار الإقليمي: تصاعد الصراع اليمني يفاقم تحديات مكافحة الإرهاب ويزيد من أعباء الدول الخليجية والمجتمعات المحلية. بحسب دراسة تحليلية لعواقب الإرهاب في الشرق الأوسط للباحث" خان حشمت الله "
الجنوب يعيش مرحلة حاسمة
الواضح أن الجنوب اليمني يعيش مرحلة حاسمة: دعوات الاعتصام ومواقف الانتقالي الأخيرة تشير إلى تصعيد نوايا سياسية وميدانية، لكن نجاح مشروع الانفصال يتطلب أكثر من كلمات وشعارات — يحتاج سيطرة فعلية، موارد، واعتراف إقليمي ودولي. دور الرياض (ومصر والمنظمات الإقليمية) قد يحسم المسار بين تسوية مدروسة أو صراع ممتد يضر بالجميع.