الصخب الذي يسببه الرئيس ترامب حاليًا حول نيته التدخل في فنزويلا عسكريًا والإطاحة برئيسها مادورو يشغل كثيرًا من الأوسط، وخاصة في أمريكا اللاتينية، التي عانت تاريخيًا من التدخلات الأمريكية السافرة عسكريًا ومخابراتيًا وسياسيًا، وسجل واشنطن بهذا الصدد طويل وعميق، وليس جديدًا، كل ما فى الأمر أن بعض الإدارات الديمقراطية حاولت تحسين هذا السجل لفترات وجيزة وتغيير صورة الأمريكي القبيح التي كانت تمثل الصورة النمطية الأمريكية لعقود طويلة في الأمريكتين، بدءًا من جنوبها المكسيكي.
ربما كانت أهم المحاولات لتحسين هذه الصورة مع الرئيس جيمي كارتر الذي أنهى أكثر من قرن من خلط الأوراق بشأن قناة بنما التي كانت بلاده قد بنتها بالفعل في منتصف القرن التاسع عشر في زمن قريب من زمن بناء قناة السويس، وحصلت على عقد امتياز لمدة تسعة وتسعين عامًا، ثم اعتبرتها أحد مكونات الأمن القومي الأمريكي ورفضت أي حديث حول إعادتها لبلادها، حتى جاء كارتر وبذل جهدًا كبيرًا لتغيير رؤية الدولة الأمريكية لهذه المسألة، ما سمح بالتفاوض وتوقيع اتفاق مع الدولة البنمية بهذا الصدد، وإن عادت واشنطن بعد ذلك وتمكنت من فرض نفوذها على هذه الدولة الصغيرة بشكل أو آخر.
ثم كانت المحاولة الكبرى التالية مع باراك أوباما، الذي أنهى عقودًا من الحصار والعقوبات ضد كوبا، التي كانت جريمتها التمرد على استخدامها بواسطة الولايات المتحدة كساحة خلفية للجريمة والدعارة والنفوذ، ما جعلها تقفز في أحضان الاتحاد السوفيتي السابق، .ورغم إنهاء أوباما لهذه القيود مازالت العلاقات فاترة، في ظل الحكومة التالية لترامب، ولكنها ليست من أولوياته.
فترامب والسياسة الأمريكية عينها على النفط في فنزويلا التي تُقدَّر احتياطياتها بأنها أحد أكبر الاحتياطيات في العالم، ومن ثم تبدو اللعبة مكشوفة عندما يتحدث ترامب عن المخدرات في وقت يفرج فيه عن رئيس كولمبيا السابق، المدان بشكل مؤكد في القضاء الأمريكي، ومع ذلك يُصدِر عفوًا عنه مؤخرًا، وللمفارقة في وقت تتصاعد فيه ضغوطه وحشوده العسكرية ضد نظام الحكم في فنزويلا دون دليل يُذكر على تورط هذا النظام في تهريب المخدرات للولايات المتحدة.
وفي الحقيقة أنه بصرف النظر عن سجل واشنطن السيئ في أمريكا اللاتينية، فإن المشكلة الكبرى التي ننبه إليها في السنوات الأخيرة وهي أن هناك انتكاسة مؤكدة في التوجهات السياسية الراهنة في العقد الأخير مع تصاعد نزعات إمبراطورية واضحة، وخاصة بعد الحرب الروسية في أوكرانيا، وبصرف النظر عن الأبعاد العديدة المتداخلة، واللبس في كثير من جوانب هذه الحرب والأخطاء الغربية التي كان يمكن تجنبها ومنع اندلاع هذه الحرب، فإنه لا يمكن إغفال النزعة الإمبراطورية التوسعية في سرديات الرئيس الروسي والتوجهات الفكرية المؤثرة والداعمة له، وفي الحقيقة أن بوتين لا يكاد يخفي طموحاته للتوسع واستعادة أمجاد الإمبراطورية الروسية القديمة والشكل السوفيتي، الذي خلفها لتجميل هذه النزعة وإضفاء شكل آخر عليها، بينما تشير الممارسات الفعلية إلى أن الأمور كانت تدار بشكل يمثل استمرارية واضحة للإمبراطورية القيصرية الروسية.
وفي منطقتنا واجهنا في السنوات الأخيرة طموحات تركية واضحة، بل سرديات واضحة في استعادة أمجاد وممتلكات الدولة العثمانية البائدة، فقط علينا تذكر كثير من التصريحات التي صدرت عن الرئيس أردوجان خلال كثير من محطات الصراع في سوريا وليبيا للكشف عن حقيقة هذه التوجهات.
ولا ينفصل عن هذه النماذج السياسات الإيرانية التي كشفت عن نفسها أيضًا عندما تباهت بسيطرتها على 4 عواصم عربية، وهى الحالة التي تتراجع الآن كما نرى.
ثم يأتي فوق كل ذلك إسرائيل التي يخرج إلينا رئيس وزرائها، ويعيد الحديث عن شرق أوسط جديد تسيطر عليه بلاده، وبوقاحة سبق لنا مناقشتها في أكثر من موضع، وسيكون علينا في المنطقة متابعتها بشكل دائم.
البعد الرئيس الذي نود التركيز عليه هنا أن العالم المعاصر الذي يمر بتحولات ضخمة وعدم استقرار واضح يعاني أيضًا من خلل خطير هو صعود النزعات الإمبراطورية التدخلية التي سببت حربين عالميتين وملايين الضحايا في القرن الماضي، وقبلها مئات الحروب على مدى كل تاريخ البشرية، مسألة تدعو للقلق والمتابعة وتسجل تراجعًا كبيرًا فيما أنجزته البشرية من تقدم في اتجاه منظومة حفظ السلم والأمن الدوليين، والقانون الدولي، سواء التقليدي أو الإنساني.