لم يكن أحمد مراد أول من تجاوز الشعرة بين التعبير والتهويل، حين صرح على نحو صادم، بأن صناعة عمل فني عن الرسول أيسر من صنع فيلم عن أم كلثوم، لتُوجه له سهام النقد، ليس للمرة الأولى؛ على الأقل خلال هذا العام.
قبل أحمد مراد بعقود نعى نزار قباني؛ جمال عبد الناصر قائلاً: "قتلناك يا آخر الأنبياء.. قتلناك ليس جديداً علينا اغتيال الصحابة والأولياء"! فإن المبالغة دأب الإبداع وآفته في كل عصر، ينطلق الكاتب في فضاء الإبداع ليخترق سماوات من الخطوط الحمراء، فيقع كثيراً في فخ التصادم مع تابوهات الدين والمجتمع والسياسة، ليتصيد له المتربصون، وتُنصب له محاكم التفتيش.
وقع أحمد مراد في هذا الفخ وهو يتباهى في ندوة فنية بحجم جهد صناع فيلم "الست"، عن كوكب الشرق أم كلثوم، الذي استهدفته سهام النقد بمجرد بث المقطع التشويقي، لدوافع ارتبط أحدها بالتشكيك في مدى اقتراب عناصر طاقم العمل من الشخوص التاريخية التي يتم تجسيدها، بيد أن أحد الدوافع اقترن بكون أحمد مراد كاتب العمل، وربما كان هذا السبب وراء اندفاع مراد للدفاع عن الفيلم بشكل أفقده انتقاء الكلمات المُناسبة للتعبير عن ذلك خلال الندوة.
ولعل ذلك يمثل مدخلاً كي نتساءل حول مدى جدية انتقاد عمل فني قبل مشاهدته، وهو الأمر الذي لا يبرره غير أن الفضاء الإلكتروني أصبح يعج بمئات الآلاف من النقاد خلف الشاشات ولوحات المفاتيح دون دراية أو دراسة أو فهم.
وأول ركائز النقد لعمل فني هو مشاهدته، والتمعن في عناصره، وإبصار زواياه، لتحليل مضمون فكرته المركزية، والقضايا التي يعالجها، وكذلك دوافع الشخصيات، وجوانب الصراع النفسي والشخصي، ثم الانتقال لتحليل عناصر الصورة، والضوء، والمؤثرات الصوتية، وما يرتبط بـ "الكادرات" الفنية وغيرها.
إن ما تعرض له فيلم "الست" من انتقاد بلغ حد التجريح لا يمت لجوهر النقد الفني بصلة، وكل انتقاد يوجه لعمل فني قبل رؤيته أو لعمل أدبي قبل قراءته؛ ضرب من العبث، حيث إن للنقد الفني قيمته وأدواته ومناهجه، التي تستهدف في الأساس الإشارة إلى مكامن النقص، بهدف معالجتها، والارتقاء بجودة ما يقدم من أعمال فنية، والنهوض بعناصر الصناعة ككل، لا هدمها والتنكيل بها.
لذا؛ أوجه دعوة لـ "نقاد الكيبورد": إذا كنت مهتماً باحتراف النقد الفني، تقدم للالتحاق بـ "المعهد العالي للنقد الفني" الصرح الذي تديره أكاديمية الفنون، ويفتح أبوابه أمام كل مهتم باحتراف النقد أو التذوق الفني، لصقل مهاراتهم عبر برامج أكاديمية متخصصة، وتقديم نقاد يساهمون عبر تقييم رصين في تحقيق الارتقاء المطلوب لصناعة الفن.
إن كان في حديث أحمد مراد ما يستوجب الاعتذار، فهو الاعتذار لنفسه أولاً، فقد خانه التوفيق في اختيار كلماتٍ أثق أنه نادمٌ عليها، ولكن في المقابل؛ أليس لصناع كل عمل فني وأدبي، صوبت نحوه سهام نقد هادم؛ الحق في اعتذار؟