رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في الوقت الذي لم تجف فيه دماء آلاف الشهداء في غزة، وبينما لا تزال رائحة الموت تعبق بين ركام المستشفيات والمدارس والمنازل المدمرة، تكشف صحيفة وول ستريت جورنال في تقرير صادم أن أحدث التقنيات العسكرية الإسرائيلية تم تجريبها في غزة، وتُباع الآن بشهية مفتوحة للدول الغربية.

 التقرير الذي نشر في 4 ديسمبر 2025، لم يمرّ مرور الكرام، لأنه لا يكشف فقط عن صفقة سلاح، بل عن كارثة أخلاقية تم تحويلها إلى فرصة تجارية مربحة.

ما ورد في التقرير يؤكد ما كان يُشتبه به منذ سنوات: أن قطاع غزة تحوّل في نظر إسرائيل إلى مختبر حي لاختبار الأسلحة، وتحديدًا في الحروب الكبرى، بما فيها العدوان المستمر منذ 7 أكتوبر.

وقد تداول السكان المحليون شهادات حول أسلحة تسببت في تمزق الأجساد دون أثر واضح، أو قتلت بالغاز دون إصابات ظاهرية، أو تركت الضحايا ينزفون حتى الموت دون سبب مفهوم. 

هذه الشهادات لا تجد طريقها غالبًا إلى تقارير حقوق الإنسان أو الإعلام الدولي، لكنها كانت دائمًا قرائن قوية على استخدام أسلحة غير تقليدية.

في ظل هذا الانكشاف الأخلاقي للمجتمع الدولي، تبرز مسؤولية دولية مضاعفة، فالصمت أو التعامل مع الواقع كأمر واقع يعزز هذا النمط، ويجب على المؤسسات الدولية أن ترفع الصوت في المحافل الدولية، لا فقط لإدانة العدوان، بل لكشف الطابع الاستغلالي الذي يحوّل الفلسطينيين إلى "مواد اختبار"، وإذا ما استمر العالم في تجاهل هذا النموذج، فقد نجد مناطق أخرى تتحول لاحقًا إلى حقول تجريب مشابهة، وفي عالم تُقاس فيه فاعلية الأسلحة بعدد القتلى، وتتحول فيه المدن إلى مختبرات، يبقى الردع الحقيقي هو الوعي العالمي، والحراك الحقوقي، والتوثيق المهني الذي يكشف هذه الجرائم، ومن المهم أيضًا دعم مؤسسات فلسطينية ودولية قادرة على مقاضاة هذه الانتهاكات في المحاكم الدولية.

إن تحويل الألم الفلسطيني إلى سلعة، واستخدامه منصة تسويق لتكنولوجيا الموت، لا يُظهر فقط وحشية الاحتلال، بل يعرّي ازدواجية المعايير الدولية. 

وما بين طفل يُحرق في خيمة، وامرأة تُسحق تحت الأنقاض، وجندي يبتسم وهو يروّج لسلاحه أمام صفقات الغرب، يقف العالم صامتًا، متواطئًا، بل وشريكًا في الجريمة.

غزة ليست حقل تجارب، بل جرح مفتوح في الضمير الإنساني، والسكوت عن هذه الجريمة يعني تكرارها، في مكان آخر، ضد شعب آخر.

حسب التقرير، فإن الاهتمام الأوروبي المتزايد بتقنيات السلاح الإسرائيلي لا ينفصل عن التحولات الجيوسياسية، خاصة مع تزايد القلق من التهديد الروسي، هنا تظهر المفارقة الصارخة: ذات الدول التي تنتقد علنًا الانتهاكات الإسرائيلية وتطالب بحماية المدنيين، هي نفسها التي تتهافت على شراء الأسلحة المجربة ميدانيًا، أي التي أثبتت فاعليتها في قتل الفلسطينيين، فهل يمكن تخيّل مدى الانحدار الأخلاقي الذي تمثّله هذه الصفقة؟

تجريب الأسلحة في بيئة مدنية محظور بموجب القانون الدولي الإنساني. ولكن ما يحصل في غزة يتجاوز هذا الحظر؛ إذ تُستخدم المدينة كميدان لتطوير وتحسين منظومات الأسلحة، مما يعني أن كل ضحية في غزة ليست فقط شهيدًا لحرب غير متكافئة، بل أيضًا جزءًا من مشروع عسكري تجريبي، وهذا يفتح تساؤلات حول موقف الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وأين يقف القانون الدولي أمام هذا التسليع العلني للمجازر.

تأتي هذه الوقائع في سياق أوسع من تسليع المأساة الفلسطينية، حيث تتحول الحرب إلى فرصة للعلاقات العامة، وتصبح المعاناة فرصة ترويجية للشركات العسكرية، فإسرائيل هنا لا تكتفي بتحقيق أهدافها السياسية والعسكرية في غزة، بل تستخدم نتائج الحرب كوثيقة تسويقية لبيع أسلحتها.

لا يمكن النظر إلى ما يحدث في غزة على أنه مجرد نتيجة لصراع مسلح أو مواجهة سياسية. ما يجري هو اختبار حقيقي لضمير العالم.. حين تتحوّل معاناة شعب كامل إلى مادة دعائية لصناعة السلاح، وتُقاس فاعلية القتل بمدى رواجه في الأسواق، فإننا لا نعيش فقط انهيارًا أخلاقيًا، بل نواجه انحدارًا حضاريًا خطيرًا.  

وعلى المجتمع الدولي أن يقرر إما أن يبقى شريكًا في الجريمة بالصمت والازدواجية، أو أن ينهض بمسؤولياته، ويضع حدًا لاستخدام المدنيين كفئران تجارب، أما غزة، فستبقى رغم الألم شاهدًا حيًا على قوة الصمود، وعلى بشاعة من حوّل دماء أطفالها إلى إعلان ترويجي لسلاح قاتل.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء