فجوة الإنتاج والاستيراد.. تلتهم التحسن الاقتصادي وتبخر أحلام الحكومة | خاص
يشهد الاقتصاد المصري فجوة متنامية بين الإنتاج المحلي والواردات، حيث وصل عجز الميزان التجاري إلى 51 مليار دولار، بنسبة 28.9%، أي ما يعادل 14% من الناتج المحلي الإجمالي ما يعكس اتساع الفجوة بين الصادرات والواردات ويضع الاقتصاد الوطني أمام تحديات كبيرة، في وقتٍ تحاول فيه الحكومة برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي ، تعزيز التصدير وتقليل الاعتماد على الاستيراد، إلا أن تلك الفجوة تهدد التحسن الاقتصادي وتضع ضغوطًا على الجنيه واحتياطيات النقد الأجنبي.
مستهدفات الحكومة لتقليل الاعتماد على الاستيراد وتعزيز التصدير
تعمل الحكومة على عدة محاور لتحقيق توازن أفضل في الميزان التجاري وتقليل الاعتماد على الواردات، أبرز هذه الإجراءات هو رفع قيمة الصادرات حتى 145 مليار دولار سنويا بحلول 2030، ضمن خطة طويلة الأجل تهدف إلى زيادة صادرات مصر وتحويلها إلى قوة عملة صعبة.
كما تسعى الحكومة إلى رفع نصيب التصدير من الناتج المحلي، إذ لا تزال النسبة الحالية أقل من المتوسط مقارنة بدول مشابهة، ما يجعل تعزيز الصادرات أحد أولويات السياسات الاقتصادية.

زيادة الصادرات إلى 48 مليار دولار بحلول نهاية 2025
وفي إطار أهداف مرحلية، تستهدف الحكومة زيادة الصادرات إلى 48 مليار دولار بحلول نهاية 2025، مع التركيز على الصادرات غير التقليدية والمنتجات عالية القيمة، لتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق العالمية.
من جهة أخرى، تسعى الحكومة لتخفيض عجز الميزان التجاري إلى نحو 30 مليار دولار، وهو مستوى أقل من الفجوة الحالية، ما يساهم في تقليل الضغوط على الاقتصاد وتحسين الاستقرار المالي.
تقليل زمن الإفراج الجمركي
ولتحقيق ذلك، تم تبسيط إجراءات التصدير والاستيراد وتقليل زمن الإفراج الجمركي، حيث خفض زمن التخليص الجمركي من 16 يومًا إلى نحو 5.8 أيام، مع خطة للوصول إلى يومين فقط، لتسهيل حركة الصادرات وتقليل تكلفة الاستيراد.

وتعمل الحكومة أيضًا على تحفيز القطاعات ذات القيمة المضافة العالية للتصدير مثل الصناعة والزراعة والتصنيع والطاقة، بدل الاعتماد على صادرات خام أو منخفضة القيمة، لزيادة العوائد وتحقيق نمو مستدام.
كما ربطت السياسة التجارية بالاستثمار، من خلال تسهيل الاستثمار في الصناعات التصديرية، دعم ريادة الأعمال، وتشجيع الشركات المحلية على المشاركة في التصدير، بما يعزز الإنتاج المحلي ويقلل الاعتماد على الواردات، وتأتي تلك الإجراءات المشددة مضافة إليها مستعهدف هام يتمثل في تنويع الأسواق التصديرية خارج الاقتصادات التقليدية، بالبحث عن أسواق في أفريقيا وآسيا ودول ناشئة، لتقليل الاعتماد على أسواق محددة وتقليل مخاطر التعرض للصدمات الخارجية.
الواردات.. عجز ينخر في الميزان التجاري ويهدد صمود مصر أمام الصدمات الخارجية
انخفضت نسبة الصادرات إلى الواردات في مصر خلال العام المالي الماضي لتصل إلى 44.1%، مقارنة بـ45.1% في العام المالي 2023/2024، ما يعكس اتساع الفجوة بين الإنتاج والاستيراد وزيادة اعتماد السوق على الخارج، وفقًا لتقرير حكومي حصلت عليه «إيجبتك».
ورغم نمو الصادرات السلعية بنسبة 23.5% لتبلغ 40.2 مليار دولار، قفزت الواردات بوتيرة أسرع بلغت 26.5% لتصل إلى 91.2 مليار دولار. هذا التباين دفع عجز الميزان التجاري للارتفاع بنسبة 28.9% ليصل إلى 51 مليار دولار، أي ما يعادل 14% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويكشف التقرير أن الواردات غير البترولية استحوذت على 78.6% من إجمالي الواردات بقيمة 71.7 مليار دولار، بزيادة 22.1%، بينما ارتفعت الواردات البترولية بنسبة 45.7% لتصل إلى 19.5 مليار دولار.
نمو الصادرات غير البترولية بنسبة 29%
على الجانب الآخر، نمت الصادرات غير البترولية بنسبة 29% لتبلغ 34.6 مليار دولار وتشكل 86.1% من إجمالي الصادرات، بينما تراجعت الصادرات البترولية بنسبة 2.2% إلى 5.6 مليار دولار، وهو تراجع لم يكن كافيًا لوقف اتساع الفجوة مع الواردات.
ويرجع هذا الوضع إلى عدة عوامل، أبرزها الأزمة في البحر الأحمر التي تسببت في تراجع إيرادات قناة السويس بنسبة حادة بلغت 45.5% لتصل إلى 3.6 مليار دولار، إضافة إلى تأثر السوق المحلي بتقلبات أسعار الطاقة العالمية.
تركز الواردات من عدد محدود من الشركاء التجاريين
يشير التقرير إلى أن الواردات تتركز من عدد محدود من الشركاء التجاريين، بينهم الصين والولايات المتحدة والسعودية والإمارات والبرازيل وألمانيا وروسيا وتركيا، والذين شكلوا مجتمعين 54.1% من إجمالي الواردات، مما يعزز مخاطر التعرض للصدمات الخارجية.

تراجع نسبة الصادرات إلى الواردات يزيد من هشاشة الاقتصاد المصري
ويحذر الخبراء من أن استمرار تراجع نسبة الصادرات إلى الواردات يزيد من هشاشة الاقتصاد المصري أمام التقلبات العالمية، وقد يضغط على الاحتياطي الأجنبي وسعر صرف الجنيه. ومع ذلك، يبرز التقرير بعض الجوانب الإيجابية مثل نمو تحويلات العاملين بالخارج بنسبة 66.2% لتصل إلى 36.5 مليار دولار، إلا أن هذا العامل وحده لا يكفي لمعادلة ارتفاع الواردات الكبير.
الإصلاحات المطلوبة
تتنامى المطالبات بتركيز الحكومة على زيادة الإنتاج المحلي وتوسيع قاعدة التصدير، مع تسريع الإصلاحات الهيكلية لضبط العجز التجاري وتقليل الاعتماد على الخارج خلال السنوات المقبلة.
ويقول ماجد فهمي، الخبير المصرفي ورئيس مجلس الإدارة الأسبق لبنك التنمية الصناعية، إن مستقبل الاقتصاد المصري يعتمد على تشجيع القطاع الخاص للاستثمار في مشروعات إنتاجية حقيقية، وزيادة الطاقة الصناعية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، معتبراً أن هذه الإصلاحات الهيكلية هي الحل الجوهري لمعالجة أزمة الدولار من جذورها.
وأوضح فهمي في تصريحات خاصة لـ«إيجبتك»، أن استمرار الاعتماد على الأموال الساخنة يجعل الاقتصاد هشًّا، لأن خروجها في أي لحظة قد يضغط بشدة على سعر الصرف، مؤكداً أن الحل الحقيقي يكمن في رفع معدلات الإنتاج القومي وزيادة الصادرات لتوليد العملة الصعبة من مصادر حقيقية ومستدامة.

وأكد فهمي أن مصر تمتلك كافة المقومات لتحقيق انطلاقة اقتصادية قوية عبر طاقة بشرية هائلة، موقع جغرافي متميز، وسوق محلية ضخمة، قائلاً: «فقط نحتاج إلى إرادة جادة لدعم الصناعة الوطنية وتحفيز الاستثمار المنتج. وقتها فقط سنتحدث عن استقرار حقيقي للجنيه، لا مجرد هدوء مؤقت في السوق».
التحدي الأكبر أمام الاقتصاد المصري
ويبقى التحدي الأكبر أمام الاقتصاد المصري هو الحد من فجوة الاعتماد على الاستيراد وتعزيز الإنتاج المحلي والتصدير، رغم المكاسب الجزئية التي يحققخا مثل نمو الصادرات غير البترولية وتحويلات المصريين بالخارج والسياحة والصناعة، إلا أن استمرار الفجوة الحالية يشكل تهديدًا مباشرًا لاستقرار الجنيه وللاحتياطي الأجنبي، ويجعل الاقتصاد هشًا أمام أي صدمات عالمية، وهو ما عانت منه مصر في بداية العشرية الحالية جراء اجتياح فيروس كورونا والحرب الروسية الأوكرانية.
لذا تكمن االحلول الحقيقية في تعزيز الصناعات المحلية، تحفيز الاستثمار المنتج، وتنويع الأسواق التصديرية، وهو ما يتطلب إرادة سياسية قوية وخطة تنفيذية واضحة لضمان أن تتحول الطموحات الاقتصادية إلى واقع ملموس ومستدام، يلبى تطلعات المصريين ويخلق اقتصادًا قويًا ومرنًا.