رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في زمن بعيد رسمه نجيب محفوظ، كانت الحارة تُدار بالقوة، ويتناوب على حكمها الفتوات، وكأن الأرض لا تلد إلا وجوهًا تتوارث البطش والسلطان، بينما "الحرافيش" يعيشون في الهامش، تنهكهم الإتاوات ويظل حلمهم صغيرًا أمام جشع الفتوات.


اليوم ونحن نتحدث عن الأحزاب، نكتشف أننا لسنا بعيدين عن تلك الحارة، تغيرت المسميات فقط، أما الجوهر فمازال كما هو حارات حزبية مغلقة، يرث قيادتها نفس الوجوه، نفس الجيل، نفس الحقبة، رؤساؤها أصبحوا مثل "فتوات" الحارة، يوزعون المناصب كما تُوزع الإتاوات، ويغلقون الطريق أمام أي كادر يحاول مد رأسه خارج الصف.


كثيرون دخلوا هذه الأحزاب على أمل أن يكونوا امتدادًا للحرافيش الحقيقيين، يبحثون عن معنى، عن دور، عن فرصة يمسكون فيها زمام المبادرة، لكنهم اكتشفوا أنهم ليسوا أبناء عاشور الناجي، بل أبناء الهامش، يُستدعون عند الحاجة ويُعادون إلى الخلف عند انتهاء العرض.

معظم الأحزاب تحولت إلى مساحات ضيقة، تزدهر فيها المحسوبيات والمقربون والأثرياء فقط، ويظل الزمن متجمدًا بين جيل لا يريد أن يترجل وجيل ينتظر عبثًا أن يُفسح له الطريق، الفرص تتوارثها العائلات الحزبية الضيقة، بينما يقف الشباب، "الحرافيش الجدد"، يشاهدون المسرحية نفسها تُعاد مرارًا وتكرارًا.

كلما اشتد الحديث عن التغيير تظهر القيادات بابتسامات وبيانات مطمئنة، لكنها تشبه وعود الفتوات، لا شيء يتغير، فالقرار أحادي، والرؤية مبهمة، والفرص محفوظة للأبناء والأثرياء، حتى لو كانوا من خارج الحزب طالما يملكون المال. أما الشباب، فيُطلب منهم أن يجتهدوا وينشطوا، لكن كل الأبواب تفتح على نفس الفناء، نفس الصف، نفس السقف، على الصخرة نفسها التي تتحطم عليها أحلامهم في كل مرة.
الأحزاب وهي تعيد إنتاج طبقاتها القديمة، تصنع تحولًا خطيرًا، أجيال بلا تجربة قيادية، بلا فرصة للتشكل السياسي، وحين يغادرها الشباب، لا يغادرون تنظيمًا فقط، بل يغادرون فكرة السياسة كلها، وكأن الوطن نفسه يطرد أبناءه من الباب الخلفي.


ويبقى السؤال الحقيقي هل ستفتح القيادات الطريق للشباب قبل أن يتحولوا مثل "حرافيش محفوظ" إلى قوة صامتة، قوية في حضورها وغنية بإمكانياتها، لكنها لا يُنظر إليها إلا حين يفوت الأوان؟ أم ستستمر الأحزاب في إغلاق الأبواب وتأجيل الاعتراف بالجيل الجديد، حتى تصبح الفرصة ضائعة، ويكتشف الجميع أن هؤلاء الشباب كانوا العمود الحقيقي للمستقبل، لكنهم تركوا يتآكلون في الظل، يشاهدون المسرحية نفسها تُعاد من جيل إلى جيل؟
 

الإصلاح السياسي لا يبدأ من البرلمان، ولا من الدولة، ولا من الشارع، بل من قلب الأحزاب نفسها، من فتح نوافذها، من كسر دوائر توريث المناصب، ومن استعادة المعنى الذي ضاع بين الجمود الفكري والإقطاع التنظيمي.

 

الحرافيش الجدد "شباب الأحزاب" هم آخر ما تبقى من أمل،  فلن ينهض العمل الحزبي إلا بهم، ولن ينهضوا إلا إذا أدركوا أن دورهم ليس انتظار الحقوق الممنوحة، بل أن يكونوا شركاء أساسيين في كتابة القصة من جديد، قبل أن يتحولوا إلى حرافيش صامتة، تُذكر  فقط كحلم ضائع في حارة لم تتغير.


ولعل القيادات الحزبية اليوم بحاجة إلى أن تعود لقراءة "ملحمة الحرافيش" لنجيب محفوظ ليس كأدب جميل فحسب، بل كمرآة حقيقية لما قد تؤول إليه الحارات المغلقة حين تُدار بالصوت الواحد وتُحكم بالجمود، ففي كل فصل من الحكاية تذكير بأن القوة التي لا تُجدد نفسها تنتهي، وأن الحارة التي لا تسمح لأبنائها بالصعود تفرغ من روحها وتتآكل من الداخل، إن الحكمة التي تركها محفوظ ليست درسًا في التاريخ الأدبي فقط، بل دعوة صريحة لكل قيادة أن تتأمل هل نعيد إنتاج الفتوات؟ أم نكسر الدائرة ونمنح الحرافيش فرصة لكتابة فصل جديد بعقل وحكمة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء