«وهل يخفى القمر!».. أساطير ارتبطت بالبدر بعد ظهور القمر العملاق
ظهر أمس لليوم الثانى على التوالي القمر بدرًا مكتملًا ويطلق عليه القمر العملاق، وهو القمر العملاق الثالث والأخير هذا العام، حيث يظهر حجمه الظاهري أكبر بحوالي 7–8٪ وأكثر إضاءة بحوالي 15–16٪ مقارنة بمتوسط أقمار البدر الشهرية.
وبهذه المناسبة كان للعرب القدامى معتقداتهم فيما يخص القمر، وخاصة وأن كان لهم اهتمام واسع بعلم الفلك، فكانوا يتفاخرون بمدى معرفتهم بأصول هذا العلم وفروعه، وكانوا دائمًا على دراية بمنازل القمر وأنواعها والكواكب وأطوار القمر، ولعبت البيئة الصحراوية التي كانوا يعيشون فيها دورًا كبيرًا فقد كانوا يهتدون بالنجوم في ترحالهم وأسفارهم وهو ما أشار إليه القرآن في أكثر من موضع، منها: (وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) و (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ).
وظهر لدى العرب عبادة الكواكب والنجوم والقمر، وترجع عبادة الكواكب وأنّ أسماء الأصنام والآلهة، إلى ثالوث سماويّ مقدّس يتألف من كلّ من: الشمس والقمر والزهرة، وقد لفتت هذه الأجرام السماوية أنظار العرب لاعتقادهم أن لها تأثير على الزرع والأرض والإنسان، وهو ما أشار إليه القرآن في أكثر من موضع منها: وَصْفُه لرحلة إبراهيم في بحثه عن الحقيقة (فلمّا رأى القمر بازغًا قال هذا ربّي فلمّا أفل قال لئن لم يهدني ربّي لأكوننّ من القوم الضّالّين).
تعظيم القمر قديمًا
وقد عظّم العرب القمر إذ اعتبروه تمثيلًا للأب في الديانة السماوية، وهذا ما ذكره ابن قتيبة في كتابه "الأنواء في مواسم العرب"، فالثالوث الكوكبيّ المقدّس عند العرب يتكوّن من كلّ من القمر والشمس والزهرة، واعتبر العرب القدماء القمر أبًا في هذا الثالوث، وكان كبير الآلهة بالنسبة إليهم وصارت له منزلة خاصة في ديانة العرب الجنوبيين. وهذا ما حدا ببعض البـاحثين إلى إطلاق ديانة القمر على ديانة العرب الجنوبيين.
عبادة القمر قبل الإسلام
وفي السياق، أشارت زاجية حسن في مقالها الذي كان تحت عنوان "عبادة القمر قبل الإسلام"، إلى أن هذا المركز الذي يحتله القمر في ديانة العرب الجنوبية لا نجـده فـي أديـان الـساميين الشماليين وهو ما يصح أن نعتبره من الفـروق الأساسية في طرق تعبد هاتين المجموعتين.
ويعود تقديم القمر على الشمس عند العرب الجنوبيين إلى اخـتلاف طبيعة الأقاليم وإلى التباين في الثقافة، ففـي الثقافة العربية الجنوبية يُعتبر القمر هاديًا للناس ومهدّئًـا للأعصاب وسميرًا لرجال القوافل من التجار، بعكس الشمس التي تميت من يتعرض لأشعتها الوهاجة في عزّ الصيف، إذ إنها ذات حميم.
وصف العرب القمر بالمعبود قبل الإسلام، وكان يعرف بأسماء متعـدّدة، ولكن الاسم الشائع للقمر بين الساميّين هو "ورخ" أو "سن" أو"سين" أو "شهر"، و"شهر" خاصـة كان الاسم المستخدم للقمر في كتابات العرب قبل الإسلام التي عُثـر عليهـا فـي العربية الجنوبية وفي نصوص عُثر عليها في الحبشة وفي الأقسام الشمالية الغربية من جزيرة العرب، ويلاحظ أن الصور التي ترمز إلى القمر مما عثـر عليـه فـي تلـك النصوص هي متشابهة في الشكل ممّا يدل على أنّ الأسطورة الدينية التي كانت في مخيلة عبدة القمر وقتها جاءت من أصل واحد.
أسماء القمر عند العرب
كما ذكرت "زاجية حسن في مقالتها"، أنه من بين الأسماء التي أطلقها العرب على القمر اسم "ود" أي حب، بحسب ما تذكر زاجية حسن في مقالتها "عبادة القمر قبل الإسلام" بالاستناد إلى كتاب دراسات في الميثولوجيا العربيّة لمنذر حمد. وقد تشرف أناس قبل الإسلام بتسمية أنفـسهم بـ"عبّاد ود"، وهي تسمية عرفت في قبيلة الخزرج وقريش وهذيل وسعد وتغلب.
وقد ورد على لسان العرب أن "ودّ" كان صنمًا مشهورًا في قريش، كما أطلق العرب القدماء أسماء أخرى على القمر منها: "هوبس" أي اليابس، و"ورخ" و"أشيم بابار" أي صاحب الشروق، و"حرمن" أي القدّوس، و"ننا" أو "ننار"، أما كلمة القمر، فلم ترد إلى الآن في النصوص القديمة، وهو ما دفع بعض المستشرقين إلى القول بأنّ هذه التسمية جاءت متأخّرة.
من الأسماء التي أُطلقت على القمر اسم "ود" أي حب، وقد تشرف أناس قبل الإسلام بتسمية أنفـسهم بـ"عبّاد ود" وهي تسمية عرفت في قبيلة الخزرج وقريش وهذيل وسعد وتغلب
معابد القمر
تعتبر مدينة أور (تل المقير الآن-جنوب العراق) مركز عبادة "سن" أو "سين"، إله القمر، التي انتقلت إلى حران في الشمال الغربي من العراق، وانتشرت عبادة إله القمر من أور إلى كلّ أرجاء بابل، ومن حران إلى سوريا وفينقيا.
وكان الملوك الأشوريون في العصور المتأخرة يعيّنون أكبر أبنائـهم كهنة في معبد "سن" في حران، وكان "والدي نابونائـيد" (555 - 539 ق.م)، آخر ملوك السلالة الكلدانية، كاهنًا من كهنة معبد "سن" في حران، وقد قام بتنصيب ابنته كاهنة في المعبد نفسه، ومما يدل على أهمية عبادة إله القمر أيضًا لدى ملوك العراق هو تكريس بناتهم للخدمة في معابد القمر.
القمر والأساطير
وتعتبر الأساطير جزءًا مهمًا في البناء الفكري للعرب قبل الإسلام، وتعكسها الحكايات اللاواقعية التي تفسر علاقة الإنسان بالكائنات، إذ كان القمر من المحاور الرئـيسة للفـكر الأسطوريّ عند الإنسان القديم باعتباره أحد النيّرين الكبيرين اللذين يؤثران في ظواهر الطبيعة والحياة والكون، وهو ما رفعه إلى مقام الألوهية والتقديس.
واتخذ القمر وسيلة أساسية في تقسيم الزمان إلى وحدات متساوية من الشهور وما لاحظه الإنسان من تغير ظاهريّ في شكل القمر رافقته أحاسيس متناقضة من التفاؤل والتشاؤم. فقد تفـاءل العرب القدماء برؤية هلال أوّل الشهر وتشاءموا أشدّ التشاؤم من اختفاء القمر أو ما يُعرف بالخسوف.
وكان يُعتقد أيضًا أن شياطين العالم السفلي كانت تقوم بأسر القمر واحتجازه، وكانت تجرى بعض الطقوس للمساعدة في فـكّ أسره
وكان يعلل خسوف القمر بأساطير مختلفة، حفل بها الأدب العربي قبل الإسلام منها أنّ الآلهة الشريرة "سبيتو" تُسرع وتصرع القمر وتحجبه، وهذا ما كان يفـسّر غيابه لمدة ثلاثة أيام في نهاية كل شهر.
كما كان يعتقد أنّ شياطين العالم السفلي تقوم بأسر القمر واحتجازه، وكانت تجرى بعض الطقوس للمساعدة في فـك أسره.
واعتقد العراقيون بمهاجمة القمر من قبل أعدائـه من العفـاريت السبعة المقدسة وقت الخسوف واعتبروا فترة اختفـائـه في نهاية الشهر فترة شؤم وخطر، التزموا فيها إقامة الصلوات وتقديم القرابين من أجل ظهور القمر مرّة ثانية.
وهل يخفى القمر؟
جدير بالذكر أن اشتهرت مقولة لدى العرب قديمًا وهي "وهل يخفى القمر"، ومازالت تستخدم لوصف شخص جميل، وقصة هذه العبارة هي أن "قائل هذه المقولة هو عمر ابن عبد الله ابن ابي ربيعة وهو شاعر مخزومي قرشي كان مشهورًا جدًا، ولم يكن في قريش من ينافسه في الشعر، في زمانه كان الشاعر وسيما بهي الطلعة شديد الإعجاب بنفسه، وكان قلبه لا يعرف معنى الاستقرار على حب واحدة ويتنقل بين عشية وضحاها من امرأة إلى أخرى، ومن شدة غروره كان يصور نفسه في قصائده معشوقًا لا عاشقًا، وأن النساء يتنافسن في طلبه بل إنه يتحدث عن شهرته لدى نساء المدينة و كيف يعرفنه من أول نظرة ويقول:
بينما يذكرنَني أبصرنني.. دونَ قَيدِ المَيلِ يَعدو بي الأَغَر
قالت الكبرى أتعرفن الفتى؟.. قالت الوسطى نَعَم هَذَا عُمَر
قالت الصغرى وَقَد تَيَمتُها:..قَد عَرَفْناهُ وَهَل يَخْفَى الْقَمَر!
ومن هنا انتشرت المقولة الشهيرة «وهل يخفى القمر».


