رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

يعتقد الكثير من الباحثين بتحيز المنظور الغربي الحديث التطوري المتترس بمرجعية التوراة ضد الحضارة المصرية القديمة؛ خاصة في موضوعي "التوحيد" و"الوثنية"، فالرؤية الغربية تصف الحضارة المصرية بالوثنية المطلقة لأمر ما في نفس يعقوب الغربي، بشكل متحيز ودون موضوعية أو حياد، ليصب في اتجاه مقولة يهودية بأنهم شعب الله الذي عرف – قبل غيره – فكرة التوحيد. 

 

لذلك قرأ المؤرخون الغربيون في العصر الحديث الحضارة المصرية بوصفها حضارة وثنية". 
وقد كشف "مانيتون" (325: 268ق. م) في مذكراته عن عقائد المصريين القدماء التي يدينون بها، والتي تدعو إلى التوحيد، في قوله: "كان المصريون يعرفون الله الواحد الأحد، وكانت عبادتهم له بالصمت والرهبة احتراما وتوقيرا، وكانوا يصفونه: فردًا أزليًا خالقًا، كان قبل كل شيء، ويبقى بعد كل شيء، لا بداية له ولا نهاية، خالق الأرواح في الأشباح، يمضي الزمان وهو باق؛ لأنه هو الإله الذي لا اسم له".


وقد تواترت الآراء والأخبار على كون المصريين القدماء لم يكونوا وثنيين كما يصورون. وممن ذكر هذا على - سبيل المثال لا الحصر - من الغربيين: 
الإنجليزي "باريت" (1733: 1789م)؛ وقد نقل عنه "والس بدج" (1857م: 1934م): "إن "باريت" يتبنى نفس وجهة النظر القائلة بأن المصريين آمنوا بـ(الإله الواحد) الذي لا شريك له". 
والفرنسي "شامبليون" (1790: 1832م)؛ بإقراره: "لقد استنتجنا مما هو منقوش على الآثار؛ صحة ما رواه المؤرخ "جامبليك" (ولد 572 ق. م)، وما ذكره المتأخرون من أن الأمة المصرية كانت أمة (موحدة) في عبادتها لله، وأنهم لما تغلغلوا في سبيل (التوحيد) وقطعوا آخر مرحلة، علموا أن الروح أبدية، واعتقدوا بصحة الحساب والعقاب.. الخ"، وقد ذكر "واليس بدج" أن "فيجاك" أخو "شامبليون" قد نقل عن أخيه بعد موته: "خلاصة ما كان قد توصل إليه بعد طول بحث ودراسة: أن الديانة المصرية (توحيد) خالص".   

 

والبلجيكي "فرانسوا جوزيف" (1787: 1869م) يرى أن الآلهة المتعددة هي مجرد مظاهر للإله الواحد.
والفرنسي "دي لا روج" (1811: 1872م)؛ في إعلانه بإيمانه بأن المصريين كانوا يعتقدون في (إله) وُجد من تلقاء ذاته، وهو واحد، موجود، خلق الإنسان ووهبه الروح".


والبريطاني "هنري توماس" (1821: 1862م)؛ مقرا: "ليس صحيحا من الوجهة التاريخية أن العبرانيين قد ابتدعوا فكرة "التوحيد"، بل هم استعاروا هذه الفكرة من المصريين".
والفرنسي "أوجست مارييت" (1821: 1881م)؛ في فرضه أن هناك إلها فردا، خالدا، مخلوقا بذاته، لا تدركه الأبصار، خفيا، مدخرا لأولئك الداخلين في قدس أقداسه.


والإنجليزي " بيتر لباج رينوف" (1822: 1897م)؛ موضحا: "إن اليونان والرومان كانوا عريقين في الوثنية؛ حتى لم يُسمع عنهم أنهم ذكروا اسم (الله) أصلا، أما القدماء المصريون فلم يرد في تاريخهم ما يدل على أنهم عرفوا الوثنية.


والألماني "هنري بروجش" (1827: 1894م)؛ بقناعته التامة بأن المصريين قد عبدوا - في تلك العصور السحيقة – الإله الواحد المتعذر وصفه أو إدراكه، الأبدي في صفاته الأسمى.


والفرنسي "ماسبيرو" (1846: 1916م)؛ إذ يرى: "أن المصريين القدماء كانوا أمة مخلصة في العبادة، إما بالطبيعة أو بالتلقين والتعليم، فكانوا يرون الله في كل مكان، فهامت قلوبهم في محبته، وانجذبت أفئدتهم إليه، واشتغلت أفكارهم به، ولازم لسانهم ذكره، وشُحنت كُتبهم بمحاسن أفعاله، حتى صار أغلبها صحفا دينية، وكانوا يقولون إنه (واحد، لا شريك له، كامل في ذاته وصفاته وأفعاله، موصوف بالعلم والفهم، لا تحيط به الظنون، منزَه عن الكيف، قائم بـ(الوحدانية) في ذاته، لا تغيره الأزمان". 

  
والفرنسي "أميلينيو" (1850: 1915م)؛ بقوله: "إن الكهنة والحكماء من بينهم كانوا يعلمون علم اليقين أن (الله واحد)". 


والبريطاني "واليس بدج" (1857: 1934م)؛ منتهيا إلى أن المصري القديم يعتقد في (إله واحد)، وأن الكائنات الروحانية الأخرى ما هي إلا من خلق هذا الإله الأكبر".


والبريطاني "س. هـ. ليدر" (1865: 1930م)؛ بقوله: "ومنذ أكثر من خمسة آلاف عام كانوا يترنمون في وادي النيل بوحدانية الإله وخلود الروح".


وكذلك الأمريكي "جيمس هنري برستيد" (1865م: 1935م) مقررا: "إن المصريين كان لهم مقياسا خلقيا أسمى بكثير من الوصايا العشر ظهر لهم قبل أن تكتب تلك الوصايا بألف سنة".


والألماني "كورت زيتة" (1869: 1934م)؛ في تعليق "سليم حسن" (1886م: 1961م) على كتابه عن عقائد مصر القديمة: "وقد أظهر "زيتة" في هذا المتن، أن فكرة التوحيد كانت موجودة عند قدماء المصريين، منذ الأسرة الأولى".


والأمريكي "وول ديورانت" (1885: 1981م)؛ في إقراره أن المصريين أول من دعا إلى التوحيد في الدين.
والفرنسي " أيتين دريتون" (1889: 1961م)؛ وقد أشار إلى فكرة الإله الأوحد في مصر القديمة، كما أجاب بأن المقصود في ذلك هو "الله" وحده.
والفرنسي "فرانسوا ديماس" (1915: 1984م)؛ فيرى: "وقد ذهب أوائل مترجمي النصوص الدينية من أمثال "دي روجيه" (1811: 1872م) و"د. بروجش" (1827: 1894م) - الذين استمدوا علمهم بطريق مباشر على الأخص من نقوش المعابد المصرية – إلى أن الدين المصري عقيدة بالغة السمو بـ(إله واحد) خالق".

ولم يقتصر الأمر على الغربيين، فكان كثير من العلماء والمفكرين والباحثين العرب منهم على سبيل المثال:

المؤرخ الكبير "ابن خلدون" (732: 808ه)؛ مقرا: "كان أهل مصر صابئة قبل اعتناق النصرانية".

والسوري "محمد عزة دروزة" (1888م: 1984م)؛ مقررا: "لقد كان المصريون القدماء يعتقدون بوجود (إله) أكبر خالق الأكوان ومدبرها".

 

و"عباس محمود العقاد" (1889: 1964م)؛ قائلا: "ولم تعرف أمة قديمة ترقت إلى الإيمان بـ"الواحدنية" على هذا المعنى (أي توحيد الإيمان بإله واحد. لا إله غيره)؛ غير الأمة المصرية".

والشيخ "محمد أبو زهرة" (1898: 1974م)؛ معلنا: "إن أشد الأمم تدينا (المصريون القدماء)". 

و"أنطون ذكري" (1900: 1950م)؛ منتقدا: "زعم البعض أن قدماء المصريين عبدوا الأوثان في كل العصور، ولكن الآثار المنقوشة في المقابر والمعابد والمكتوبة على الأوراق البردية؛ دلت على أنهم كانوا يعبدون (الله الفرد الصمد)".

و"عبد العزيز صالح" (1921: 2001م)؛ مصرحا: "ونجد أن الاعتراف بـ"وحدة الإله الخالق" قائمة؛ حين رد أصحاب كل مذهب منهما الوجود إلى (خالق واحد)".

و"ثروت عكاشة" (1921: 2012م)؛ قائلا: "وانتهاء المصريين القدماء إلى "رب واحد"، فكرة نبتت بينهم وفي بيئتهم ولم تدخل عليهم من فكر أجنبي، بل كانت مصر مصدرها".

و"عمرو شريف" (ولد 1950م)؛ بقوله: "ويرى بعض علماء المصريات أن ديانة مصر القديمة التي بدأت بالتوحيد قد ظلت على التوحيد، وأن ما ذكرناه من آلهة متعددة ما هو إلا صفات للإله الواحد الأحد، أو رموز للملائكة".

و"وسيم السيسي"(ولد 1956م)؛ ذاكرا: "يقول أعداء حضارتنا، خصوصا الجهلة منهم، إن أجدادنا كانوا عباد أوثان! ولا يعرفون أن كلمات: "دين"، "صوم"، "حج"، "ماعون"، "حساب"، "موت"، "كعبة"، "براق"، "حي" (قم وانهض)، كلها كلمات مصرية قديمة، وأن أجدادنا كانوا موحدين، وكانوا يتوضؤون قبل الصلاة (برضوا) أي "بيت الوضوء"، هم لا يعرفون أن أجدادنا كانوا يصومون شهرا، وأنهم يحجون للجزيرة لأنهم هم الذين بنوا الكعبة، بناها "إدريس" (هرمس) وهو أول رسول، وكلمة "حج" كلمة مصرية معناها النور والضياء، كما أن كلمة كعبة كلمة مصرية قديمة (كابا) دخلت العربية فأصبحت "كعبة"، ودخلت الإنجليزية فأصبحت ""Cube أي مكعب!".

"هدى درويش" (ولدت 1964م) بكتابها "نبي الله إدريس بين المصرية القديمة واليهودية والإسلام"؛ قامت بعمل نقدي مقارن، برؤية منهجية لنفي الوثنية المطلقة عن قدماء المصريين.

أما "نديم السيار" (1946: 2018م)؛ فيرى أن زعم الوثنية المطلقة للحضارة المصرية القديمة يرتكن على خطأ (أو بالمعنى الأدق: "خطأ اجتهاد") من تتبع "شامبليون" في ترجمة كلمة (نثرو) المصرية القديمة بلفظ (إله)، مما كان له الأثر في إلصاق تلك التهمة بالمصريين القدماء. 

ويعلق "نديم السيار" بكتابه "ليسوا آلهة ولكن ملائكة" على ذلك بقوله: "خطا ترجمة، ولكنه كان خطأ فادحا، وقاتلا؛ هدم سمعة "عقيدة" بأكملها، وشوه صورة "أمة" – بل وحضارة – بأكملها، كل ذلك بـ (خطأ واحد)، في ترجمة (لفظ واحد)، ولكنه من أهم الألفاظ في القاموس الديني. 


وبعد.. 
فبعد تلك التطوافة العابرة؛ فلم تكن الحضارة المصرية وثنية بالكامل، بل إن التوحيد ما انقطع فيها أبدا؛ وهنا يعلق "محمود أبو الفيض" (1891م: 1972م) على انتشار الوثنية في كثير من فترات المصريين القدامى: "وما حدث في الديانة الإدريسية (الديانة المصرية القديمة) من انحدار إنما حدث على أيدي الكهنة الذين جعلوا تعاليم "إدريس" رموزا وأسرارا مستورة، حتى انقلبت إلى نصب حية أو جامدة، وجعلوا من آمون إلها بعد أن كان رمز النور الشمسي فقط، وبهذا أصبحت الديانة المصرية أساسا لما بعدها من ديانات وثنية أو مشركة؛ كالدين الكلداني والفارسي والإغريقي والروماني إلى عهد "الإسكندر" (356: 323 ق. م)، وظهور اليهودية والمسيحية والإسلام بعد ذلك كان رجوعا بالحق إلى نصابه وبالتوحيد إلى نبعه". 

ومما ينبئ بكون الهوية المصرية المرتبطة بتاريخ المصريين القدماء ما هي إلا شاهد حضاري وثقافي على أن بدء الخليقة منذ "آدم" عليه السلام؛ لم يكن سوى بدءا توحيديا، ثم حدث فيه كثير من الانحرافات وشابه بعض الوثنيات التي يدور معظمهما في فلك حقائق نبوية حرفت وأولت لتصبح وثنية، فيبعث الله الأنبياء والرسل كل يعيد للتوحيد وجهه المشرق كتجديد له، وكان من جراء ذلك أن يأتي النبي يلى أخاه وأحيانا كثيرة يعاصره؛ حتى جاءت "خاتمية النبوة" بــ"محمد" صلى الله عليه وسلم كصورة أصيلة لتوحيد الأنبياء من قبل تهتدي بهداهم وتستقي من نفس المعين الذي استقوا منه.

 

فمعنى أن التوحيد كان موجودا قبل الوجود الذي تصوره التوراة، ولم يبتدئ معرفيا ببدايته، وأن الحضارة المترتبة على النبوة قد تشكلت في منطقتنا في مكان مصري وفي زمان مصري؛ فقد بان جليا بأن مصر هي: "منطقة انطلاقة الإنسانية العاقلة والتوحيد في العالم".

وبرغم ذاك التعصب الغربي ضد الحضارة المصرية القديمة الموصولة توحيدا بالأمة العربية والإسلامية، إلا أنهم مولعون بكل ما هو مصري قديم، ويبدو ذلك أنه ولع متابعة أزمة، لا ولع إعجاب؛ لأن الانتصار لفكرة تجذر التوحيد عند المصريين القدماء تقلب منظور التشكيل الغربي الحديث لرؤية الكون رأسا على عقب.

فلربما كان من اللائق حقيقة ومجازًا أن نقول: "في البدء كانت مصر".. وربما ستبقى للنهاية، ولا ينقطع ذكرها للأبد.. وربما كما هتف التاريخ لها دومًا؛ يهتف لها المستقبل أيضًا: "تحيا مصر" !!  

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء