رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في خبر قد يمرّ على البعض سريعًا، أعلنت وزارة الخارجية فوز مصر بعضوية مجلس المنظمة البحرية الدولية للفترة (2026–2027)، بعد حصولها على ثقة 132 دولة عضو، في انتخابات عُقدت داخل مقر المنظمة في لندن. رقمٌ يبدو إداريًا في ظاهره، لكنه في حقيقته يعكس معادلة سياسية أشد عمقًا: مصر التي تستعيد حضورها البحري -والدبلوماسي - بثقل محسوب لا يحتاج إلى ضجيج.

من منظور امرأة عربية تتابع تحولات العالم بلا لغة شعارات، يبدو هذا الإنجاز مؤشرًا على تغير مهم في موقع مصر داخل شبكة النفوذ الدولي المتشابكة، فمجلس المنظمة البحرية الدولية ليس مجرد هيئة فنية، بل منصة لصنع السياسات العالمية الخاصة بأمن الملاحة وسلامة البحار وسلاسل الإمداد، وكلها مفاصل استراتيجية تمس الأمن القومي والاقتصاد العالمي معًا.

إن حصول مصر على هذا المقعد لا يأتي من فراغ، بل نتيجة عمل دبلوماسي تراكمي هادئ، اعتمد على التواصل، وبناء الثقة، واستعادة صورة الدولة الفاعلة القادرة على الشراكة، لا فقط المطالبة بالدور. التنسيق بين وزارة الخارجية ووزارة النقل، والدور الذي لعبته السفارات المصرية في مختلف العواصم، يكشف عن نموذج دبلوماسية حديثة لا تقوم على ردود الفعل، بل على التخطيط طويل المدى.

ومن زاوية إنسانية سياسية، لا يمكن إغفال أن البحر بالنسبة لمصر ليس مجرد ممر تجاري، بل جزء من الذاكرة والهوية والأمن. فممرات الملاحة المرتبطة بقناة السويس تجعل من أي قرار بحري دولي قضية تمسّ مصر بشكل مباشر، ومن ثم يصبح وجودها على طاولة صناعة القرار خطوة دفاعية قبل أن تكون إنجازًا بروتوكوليًا.

وفي عالم مضطرب تتنافس فيه القوى الكبرى على إعادة رسم طرق التجارة وسلاسل الإمداد، يشكّل هذا الفوز إشارة واضحة إلى أن مصر لم تعد لاعبًا هامشيًا في المعادلة البحرية الدولية، بل صارت شريكًا يُحسب له حساب.

لكن الأهم من المقاعد والمناصب، هو ما يعكسه هذا الحدث من تحوّل في فلسفة السياسة الخارجية المصرية ذاتها: الانتقال من منطق التمثيل الرمزي إلى منطق التأثير الصامت ، ذلك التأثير الذي لا يرفع صوته كثيرًا، لكنه يغيّر اتجاه البوصلة.

من هنا، تقرأ “العالم في عيون امرأة عربية” هذا الفوز ليس كنقطة نهاية، بل كبداية اختبار حقيقي: كيف توظّف مصر هذا الموقع لتعزيز الأمن البحري الإقليمي؟ كيف توازن بين مصالح الجنوب والدول النامية داخل المنظمة؟ وهل تنجح في تحويل هذا المقعد من مكسب سياسي إلى منصة لخدمة رؤية عربية أوسع للعدالة في توزيع طرق التجارة العالمية؟

الأسئلة مفتوحة…
والبحر، كعادته، لا يمنح الإجابات بسهولة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء