رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مصر العظيمة تخلد «نسائها»!

مسجد الست حورية
مسجد الست حورية

 حكايات الشوارع التي تحفظ أسماء سيدات مصر

ست الحبايب الأشهر في طنطا.. والست حورية أيقونة بني سويف

ذاكرة أبوتيج تحفظ اسم الحاجة فريحة

في مصر، لا تُسمى الشوارع والأحياء عشوائيًا، فالأسماء هنا مرايا للتاريخ، وشهادات حية على اعتزاز هذا الوطن برموزه الدينية، ونسائه المؤثرات، وأوليائه الصالحين، بل وحتى بشخصياته الشعبية التي صنعت أثرها في الوجدان العام.

مصر التي استوعبت عبر تاريخها الطويل كل الثقافات والحضارات، لم تُقصِ المرأة من ذاكرتها، بل منحتها مكانًا في الخرائط قبل أن تمنحها في كتب التاريخ. من قلب القاهرة إلى أطراف الصعيد والدلتا، تتجاور أسماء السيدات من آل البيت، مع أسماء نساء بسيطات صارت قصصهن جزءًا من هوية المكان، في مشهد فريد يجسد عدالة الذاكرة الشعبية المصرية، التي ترفع من يستحق، رسميًا كان أو شعبيًا.

هنا في مصر، لا تقف الجغرافيا عند حدود الخرائط، فالأماكن هنا مثل الكائنات الحية.. تنبض بالحكايات، وتحمل في أسمائها ذاكرة الناس ووجدانهم ومعتقداتهم وأحزانهم وأفراحهم.

قد يظن البعض أن أحياء السيدة زينب، والسيدة نفيسة، والسيدة عائشة، ومساجد السيدة سكينة، والسيدة رقية، في القاهرة هم فقط الشواهد الوحيدة لحضور النساء في خريطة المدن المصرية، لكن الواقع يكشف أن أسماء السيدات منتشرة في المحافظات، بعضها رسمي موثق، لكن أكثرها شعبي وُلد من رحم الحكايات وتوارثته الأجيال، حتى صار حقيقة جغرافية لا ينكرها أحد.

أسماء لم تصدر بقرارات حكومية

في غالبية الحالات، لم تصدر تسمية هذه المناطق بقرارات رسمية من المحليات، بل جاءت من الناس أنفسهم، مثل سيدة عاشت في المكان، واشتهرت بالخير أو التصوف، أو ما يعرف بالكرامات، أو كانت صاحبة أرض، أو حتى بطلة لحكاية مأساوية، فتحول اسمها إلى عنوان، ومع الزمن صار الاسم هوية للمكان، وأحيانًا يتغلب على الاسم الرسمي المكتوب في الأوراق.

يقول أحد كبار السن في أسيوط: "زمان ما كانش حد يعرف اللوحات ولا الخرائط، الناس كانت بتسمي المكان على اللي عايشة فيه، واللي لها سيرة طيبة، ويفضل الاسم مكمّل حتى بعد ما أصحاب الحكاية يرحلوا".

الست حورية.. أيقونة البركة في بني سويف

في محافظة بني سويف يبرز اسم الست حورية، كأحد أبرز الشواهد على قوة الذاكرة الشعبية والارتباط الصوفي بالمرأة الصالحة.

إن حضور الست حورية ليس مقتصرًا على شارع فرعي، بل يتجسد في ميدان ضخم يحمل اسمها، ومسجدها الشهير، إلى جانب الشارع الحيوي الموازي لطريق الإسكندرية الزراعي، هي إحدى أهم أولياء الله الصالحين في الوجدان السويفي، حيث يقصد ضريحها الكثيرون للتبرك وطلب قضاء الحاجات.

اكتسبت الست حورية مكانتها العميقة عبر الأجيال، حيث ارتبطت قصصها بالكرامات والخير، وتمثل نموذجًا للمرأة التي تحولت من شخصية دينية إلى علامة جغرافية ثابتة يصعب إزالتها أو تغيير اسمها حتى في أشد فترات التحديث العمراني.

حين تمتزج القداسة بالحياة اليومية

محافظة أسيوط واحدة من أبرز محافظات الصعيد تشتهر بها مناطق مثل "الحاجة فريحة" في مدينة أبوتيج، بلد الشيخ الفرغل الملقب بسلطان الصعيد، والحاجة فريحة كانت سيدة بسيطة تبيع الفحم في منطقة شعبية تحولت باسمها وظلت حتى بعد رحيلها رغم عدم إثبات التسمية رسميًا.

وفي مدينة أسيوط أيضًا منطقة "أم الغيث" كأحد أكثر الأسماء إثارة للانتباه، وهي منطقة شعبية مكتظة بالسكان، لكن اسمها يحمل صفة صوفية، وبها يوجد مسجد شهير يحمل نفس الاسم، ويُرجح أن التسمية تعود إلى سيدة صالحة اشتهرت بالدعاء، فكان الناس يلجؤون إليها وقت الشدة، ومع الزمن التصق الاسم بالمكان وبوجود المسجد.

وفي المدينة نفسها، يقف شارع فاطمة الزهراء شاهدًا على الحضور الديني العميق في تسمية الشوارع، وهو شارع حيوي يتوسط الحركة اليومية، ليؤكد أن أسماء آل البيت لا تقتصر على شوارع وأحياء القاهرة بل هي في قلب الصعيد حيث التنوع السكاني الذي يجمع بين المسلم والمسيحي.

أما في محافظة المنيا فتتكرر الظاهرة بشكل آخر، حيث تنتشر حارات "أم فلان" مثل حارة أم سيد ودرب أم حسن، وغالبًا ما تكون التسمية مرتبطة بسيدة كانت مشهورة بخدمة الناس، أو كانت صاحبة بيت تحول إلى علامة دالة في الحي.

وفي أسوان، لا تخلو القرى من شوارع غير رسمية تُعرف باسم الست فاطمة أو الست زينب نسبة إلى سيدات صالحات أو صاحبات مقامات، في مشهد يعكس كيف أن الذاكرة الشعبية أقوى من أي سجل إداري.

أما محافظات الدلتا فتتحول أسماء السيدات إلى عزب أو حي كامل.

في الوجه البحري، تتخذ الظاهرة طابعًا مختلفًا، إذ تتحول أسماء السيدات إلى عناوين لعزب كاملة وأحياء شعبية عريقة.

دمنهور تشتهر بـ شارع البتول نسبة إلى السيدة فاطمة الزهراء، وهو من الشوارع الرئيسية المعروفة رغم أن اسم البتول مستمد من السيدة مريم العذراء.

وفي كفر الدوار يحمل حي كامل اسم السيدة عائشة، إلى جوار كوبري شهير بالاسم نفسه، ما يدل على رسوخ التسمية في الوعي الجمعي.

أما في المنصورة فتقف عزبة عائشة شاهدًا على مرحلة زراعية قديمة، يُعتقد أن الاسم يرجع إلى سيدة كانت تملك الأرض أو اشتهرت بإدارتها.

وفي طنطا تتجاور أسماء النساء في مشهد لافت، فهناك شارع الست عائشة، وبجواره شوارع تحمل أسماء فاطمة وزينب، وتبرز كذلك منطقة الشيخة صباح صاحبة المقام الشهير، والتي يلقبها الأهالي بـ "ست الحبايب".

أحياء في محبة آل البيت

إلى جانب الأحياء الثلاثة الأشهر في القاهرة، تمتد خريطة السيدات لتشمل السيدة رقية بحي الخليفة والسيدة سكينة في منطقة المقابر والسيدة فاطمة النبوية في الدرب الأحمر.

وكلها مناطق ارتبطت بمشاهد وأضرحة حقيقية، تحولت إلى نقاط جذب روحي واجتماعي، ثم إلى أسماء أحياء كاملة.

ثلاثة أنماط للأسماء النسائية

من خلال تتبع خريطة هذه المناطق، يمكن رصد ثلاثة أنماط رئيسية. أولًا: نمط ديني قدسي، وتضم أسماء سيدات آل البيت وأمهات المؤمنين أو السيدة العذراء، وهي الأكثر رسوخًا واستمرارًا.

ثانيًا: نمط تاريخي رسمي، وهي أسماء ملكات أو أميرات، وهو أقل شيوعًا في المناطق الشعبية.

أما النمط الثالث فهو الشعبي والأكثر انتشارًا، ويشمل "أم فلان"، "الست فلانة"، "عزبة فلانة"، ويرتبط غالبًا بحكايات التصوف، والخير، والكرم، أو حتى المأساة.

ويرى متخصصون في علم الاجتماع أن حضور أسماء النساء في الجغرافيا المصرية يعكس اعترافًا غير مباشر بدورهن الاجتماعي، حتى في عصور لم تكن المرأة تتصدر المشهد العام فيها.

فالمرأة في الريف والصعيد لم تكن مجرد فرد داخل البيت، بل كانت نواة للتماسك الاجتماعي، ومركزًا للبركة، في نظر الناس.

كما أن الثقافة الصوفية لعبت دورًا مهمًا في ترسيخ هذا الحضور، إذ ارتبطت كثير من السيدات بالكرامات والبركة ومساعدة المحتاجين، فتحول اسمهن إلى رمز للطمأنينة.

التكملة في الجزء الثاني

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء