العطش القادم: كيف يغير سد النهضة حياة الملايين على ضفاف النيل؟
في قلب دلتا النيل، يقف الحاج عبد الرحيم، وهو مزارع ستيني، وقد عُرف عنه حبه الشديد للزراعة وللأرض التي نشأ بها.. وفي يومٍ وقف يتأمل أرضه المتشققة بعد موسمٍ من الجفاف الطويل، ويقول وهو يرفع يديه الملطختين بالطين: "زمان كنا بنروي الغيط مرتين في الأسبوع.. دلوقتي بالعافية مرة. لو السد شغلوه كله، مش عارف إيه اللي هيحصل في زرعنا وأكل عيالنا؟".
على بُعد آلاف الكيلومترات، يتدفق النيل الأزرق من الهضبة الإثيوبية محمولًا بجدل سياسي وصراع إقليمي حول أكبر مشروع مائي في إفريقيا: سد النهضة.
بالنسبة لملايين المصريين والسودانيين، الأمر لم يعد مجرد أرقام في تقارير أو تصريحات رسمية، بل تهديد حقيقي لحقهم الأساسي في الحياة: المياه.
وسط عالم يزداد سخونة بسبب التغير المناخي، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل يقود السد إلى نهضة تنموية، أم إلى عطشٍ قادم يهدد شعوب النيل؟
تاريخ طويل من محاولات بناء سد النهضة الإثيوبي
في عام 2011، وتحديدًا بعد تنحي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، بدأت إثيوبيا التخطيط لبناء سد على النيل الأزرق، وقالوا عنه: "النهضة الحقيقية لإثيوبيا تبدأ بعد بناء سد النهضة."
كان الهدف المعلن من بناء السد هو توليد الطاقة الكهربائية بقدرة تصل إلى 6000 ميجاواط، ليصبح أكبر مشروع للطاقة في القارة السمراء.
في عام 2014، كان من المقرر الانتهاء من تركيب أول توربين، لكن ذلك تحقق بعد 8 سنوات فقط، في 2022، وبعد سنوات من محاولات البناء تم افتتاح السد رسميًا.
الأبحاث العلمية ومستقبل المياه في القارة السمراء
مع إعلان إثيوبيا أمس افتتاح سد النهضة وتشغيله كأكبر مولد للطاقة الكهرومائية في إفريقيا، باتت النظريات العلمية التي كانت مجرد سيناريوهات، واقعًا ملموسًا.
هذه الخطوة اعتبرتها مصر تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وقدمت شكوى رسمية لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
في هذا السياق، لم تعد أبحاث المناخ مجرد تنبؤات بعيدة، فلا أحد يملك رفاهية الانتظار.
تقارير الهيئة الحكومية الدولية لتغير المناخ (IPCC) أوضحت أن النيل الأزرق بات أكثر عرضة للتقلبات المناخية الحادة، حيث يتوقع العلماء أن تتضاعف فترات الجفاف وتشتد موجات الفيضانات في السنوات المقبلة.
كما أشارت دراسة حديثة استخدمت نماذج CMIP6 المناخية إلى أن تدفقات النيل الأزرق قد تنخفض بنسبة تصل إلى 8–9% خلال العقود القادمة، وهو رقم كفيل بأن يغيّر معادلة الحياة في مصر والسودان، حيث يعتمد أكثر من 150 مليون إنسان على كل قطرة ماء تأتي من الهضبة الإثيوبية.
أصوات من وسط أرض مصر تحكي عن معاناة قادمة
على ضفاف النيل في جنوب محافظة المنيا، وتحديدًا في مركز ديرمواس، يمتلك محمد عبد الرحمن ستة أفدنة ورثها عن آبائه. يقف متأملًا أرضه التي اعتاد أن يرويها من مياه النيل منذ سنوات.
بصوت يختلط فيه الحنين بالحيرة يقول: "الأرض كانت بتشرب لوحدها من النيل زمان، كنا بنزرع من غير ما نفكر. الفترة الأخيرة حسّيت إن في حاجة مش طبيعية، بس ماكنتش عارف إيه اللي بيحصل، أو ممكن يحصل."
الأزمة لم تتوقف عند صعيد مصر، ففي قلب الدلتا يعتمد عبد الرحمن النصر على زراعة الأرز كمصدر أساسي لرزقه.
يجلس بجوار حقلٍ أخضر ممتد ويقول بابتسامة يخفي وراءها قلقًا عميقًا: "الأرز هو كل حياتنا.. بيأكل ولادي ويعلّمهم. طول عمره كان مصدر دخل كويس، لكن دلوقتي بقى مهدد. أي نقص في المية يعني خراب للبيت. إحنا مش بنتكلم في تجارة، إحنا بنتكلم في لقمة العيش."
وفي مركز كوم حمادة بمحافظة البحيرة، يقف محمد أبو العلا وسط مواشيه التي تعتمد حياتها على ما تُخرجه الأرض. يقول وهو يشير إلى زرعه: "الزراعة مش بس بتأكلنا.. دي اللي بتأكل المواشي اللي عايشين عليها. أي نقص في المية بيأثر علينا مرتين: مرة في المحصول، ومرة في العلف. إحنا عايشين على خيط رفيع بين الخير والعطش."
من صعيد مصر إلى دلتاها، الأزمة واحدة والحكايات تتشابه رغم اختلاف الأماكن، فالجميع يقف على الخط الفاصل بين الأمل والخوف.
الأمل واحد بالنسبة لهم جميعًا: أن تبقى أرضهم عامرة خضراء. لتكشف هذه الأصوات أن أزمة المياه الحقيقية في مصر ليست مجرد أرقام في تقارير أو جداول مفاوضات، بل هي لقمة عيش.