رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تمتلك مصر رصيدًا كبيرًا مِن القوة الناعمة (Soft power) التي لَعِبت دورًا كبيرًا في خَلْق حالةٍ مِن "السَّلام المجتمعي"،  ومن أدوات هذه القُوَى: الأزهر الشريف، والكنيسة المصرية، والدراما والمسرح.
 

وفي ظني أنَّ الطَّعْن في رموز هذه القُوَى يُنْبِئ إمَّا عن جهلٍ بدورها الكبير، أو تقليلٍ وتصغيرٍ لشأنها، وكلاهما لا يقول بهما الـمُحِبُّ لبلده الغَيورُ عليها، ولطالما كانت مصر -بعبق تاريخها وحضارتها- منارة للقوة الناعمة في المنطقة والعالم، ولم تكن قوتها تَكمُن في جيوشها أو اقتصادها فحسب، بل في قدرتها الفائقة على التأثير في الوجدان، وتشكيل الوعي، وتصدير الفن والثقافة والأصوات التي لامست قلوب الملايين. 


من عمالقة الغناء الذين تجاوزت أصواتهم الحدود، إلى قراء القرآن الكريم، الذين أثروا في الروحانيات، كانت مصر دائمًا "هوليوود الشرق"، هذه الأيام تشهد القوة الناعمة تطورًا لافتًا، حيث لم تعد تكتفي بالاتكاء على إرثها العظيم، بل انطلقت في رحلة منظمة ومنهجية لاكتشاف وصناعة كنوزها البشرية المدفونة، عبر برامج اكتشاف المواهب التي أصبحت بمثابة شرايين جديدة تضخ الدماء في جسد هذه القوة المتجددة.


في صدارة هذا التحول، يبرز برنامج "دولة التلاوة" كخطوة استراتيجية بالغة الأهمية لاستعادة وتأكيد أحد أهم أعمدة الهوية المصرية: الريادة في عالم قراءة القرآن الكريم،  لعقودٍ طويلة ارتبطت أصوات مصرية خالصة بالسكينة والخشوع في قلوب المسلمين حول العالم، من الشيخ محمد رفعت، إلى الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، والشيخ المنشاوي، وغيرهم من العمالقة، وهذا البرنامج لا يكتشف أصواتًا ندية جديدة فحسب، بل يبعث رسالة قوية ومباشرة مفادها أنَّ "دولة التلاوة" لم تمت، وأنَّ مصر ما زالت هي الحاضنة الأولى لأهل القرآن، والقادرة على تقديم مواهب تواصل مسيرة العمالقة. 


إنَّه استثمار مباشر في القوة الروحية والثقافية التي تميز الهوية المصرية، ويعيد ربط الأجيال الجديدة بهذا الإرث العظيم، مؤكدًا أنَّ العمق الروحي لمصر هو جزء لا يتجزأ من تأثيرها العالمي.


وبالتوازي مع هذا العمق الروحي، تأتي برامج اكتشاف المواهب في التمثيل والغناء، مثل فكرة "كاستينج" وغيرها، لتؤدي دورًا لا يقل أهمية في تجديد دماء الصناعة الفنية، فبدلاً من الاعتماد على الوجوه المكررة، أو انتظار الصدفة لتظهر موهبة جديدة، أصبحت هناك منصات مخصصة تبحث عن الممثل والمغني والمبدع في كل ربوع مصر. 


هذه البرامج لا تمنح فرصة للشباب الموهوبين فحسب، بل تُغذِّي الصناعة الفنية نفسها بوجوه وطاقات جديدة، مما يضمن استمرارية الإنتاج الدرامي والسينمائي المصري وتجدد شبابه، عملية صناعة مُنظَّمة لنجوم المستقبل الذين سيحملون راية الفن المصري ويحافظون على مكانته في قلوب الجمهور العربي، ويقدمون للعالم وجهًا فنيًا مصريًا معاصرًا ومبتكرًا.


لطفًا القارئ العزيز: أنا لا أقارن في الأفضيلة بين برنامجين -أعني "دولة التلاوة" و"كاستنج"- فقارئ القرآن وحافظُه وحاملُه لا يدانيه شيء في الفضل والمزيَّة، ويكفيه الاصطفاء الرباني الوارد في قوله تعالى:  { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } [فاطر: 32]، بل كلامي مُوجَّه أصالة لفكرة اكتشاف المواهب وتقديمها، وهذا التَّحوُّل من مجرد "تصدير" المواهب التاريخية، إلى "صناعة واكتشاف" المواهب الجديدة، وهذا هو جوهر تطور القوة الناعمة المصرية. 


فمصر اليوم لا تقول للعالم "انظروا إلى تاريخنا" فقط، بل تقول بثقة: "انظروا إلى مستقبلنا الذي نصنعه الآن بأيدي أبنائنا"، وهذه البرامج هي مصانع الأمل والفرص، وهي الوقود الذي يضمن أن تظل شمس الإبداع المصري مشرقة ومتجددة، قادرة على التأثير والإلهام لأجيال قادمة. 


وهي أيضًا استراتيجية شاملة تعيد لمصر مكانتها كقاطرة ثقافية وفنية وروحية للمنطقة، وتُؤكِّد أنَّ قوتها الناعمة ليست مجرد ذكرى، بل هي واقعٌ حيٌ يتجدَّد ويتطوَّر باستمرار، ولا يمكن في هذا السياق إغفال الدور المحوري الذي تلعبه الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية في هذا المشهد، فتحية تقدير لجهودها التي حولت اكتشاف المواهب من مجرد حلم فردي إلى مشروع وطني متكامل.
مصر بخير... بقيادة تَرَى المستقبل، ومواهب تصنع هذا المستقبل.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء