رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بعد أن تناولنا في المقال السابق باختصار تنامي اهتمام التنظيمات المتطرفة باستغلال تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطويعها لخدمة أنشطتها، تكشف الدراسات الحديثة عن منحنى خطير يؤكد أن هذه التنظيمات باتت تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة استراتيجية تعزّز حضورها الإعلامي وقدراتها العملياتية على حدٍّ سواء. وهو ما يجسد حقيقة أن الإرهاب "ظاهرة متطورة الأساليب والأدوات"، وأن الذكاء الاصطناعي، كسلاح ذي حدّين، قد يكون قوة للبناء إن وُظّف بأخلاقيات، وقد يتحول إلى تهديد داهم إذا استغلته جماعات العنف أو الدول الداعمة لها لتنفيذ أجنداتها التخريبية.

وتشير الأدلة الميدانية والدراسات الأمنية إلى أن التنظيمات الإرهابية باتت تستخدم الذكاء الاصطناعي في عدة مسارات رئيسية يمكن تلخيصها على النحو التالي:

أولًا: الترجمة وتوسيع نطاق التأثير: تعمد بعض التنظيمات الإرهابية إلى ترجمة بياناتها ووثائقها وافتتاحيات صحفها الأسبوعية إلى لغات متعددة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، ثم نشر هذا المحتوى عبر قنوات "تليجرام" ليستقبلَه الأفراد المنتمون أو المؤيدون لها من جنسيات مختلفة. ويمنح هذا الأسلوب تلك الجماعات قدرة أكبر على التفاعل المباشر والسريع مع جمهور متعدد اللغات والانتماءات، ما يجعل رسائلها أكثر انتشارًا وأوسع تأثيرًا.

ثانيًا: التمويل الرقمي وتجاوز الرقابة: أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي عاملًا مساعدًا في عمليات التمويل التي تعتمدها بعض الجماعات الإرهابية، خاصة عبر العملات الرقمية المشفّرة مثل "بيتكوين". ففي عام 2020 أعلنت وزارة العدل الأميركية تفكيك سلسلة من حملات جمع التبرعات الرقمية المتطورة، التي أدارتها ثلاث منظمات إرهابية. ويكشف سقوط هذه الشبكات نقاط الضعف التي يمكن استغلالها في المستقبل لمواجهة تمويل الإرهاب عبر الإنترنت. وتؤكد دراسة صادرة عن مؤسسة "راند" الأميركية قدرة التنظيمات الإرهابية على الاستفادة من العملات الرقمية في دعم أنشطتها. كما تشير دراسة أخرى نشرَتها مؤسسة "إيمرالد" بعنوان: "هل يجعل جنون البيتكوين العالم أقل أمنًا؟" إلى أن تنظيم داعش يُعدّ من أكثر التنظيمات استغلالًا لهذه العملات. وتورد الدراسة شهادة لأحد المؤيدين لداعش يقول فيها: "إن هذا النظام لديه القدرة على زيادة عمليات التبرع للتنظيم. إن الأمر سهل وميسّر، ونسارع إلى استخدامه." وتوضح هذه الشهادة بجلاء كيف ترى هذه الجماعات في العملات الرقمية وسيلة تمويلية تتجاوز الرقابة التقليدية وتُضفي على تحركاتها طابعًا من التخفي.

ثالثًا: الاستعراض الإعلامي ورفع المعنويات: تلجأ بعض التنظيمات الإرهابية إلى الذكاء الاصطناعي كآلية للاستعراض الإعلامي، في محاولة لإيصال رسالة بأن لديها القدرة على مواكبة أحدث التقنيات العالمية. ويهدف هذا الأسلوب إلى رفع الروح المعنوية لأتباعها وإشعارهم بأنهم جزء من تنظيم قادر على التكيّف والتطور. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما أقدم عليه تنظيم داعش حين استخدم مذيعًا روبوتيًّا لقراءة إحدى نشراته الإخبارية، في خطوة أثارت قلق الحكومات وأجهزة الأمن لما تحمله من دلالات على سعي التنظيم لدمج التقنيات الحديثة في دعايته الداخلية والخارجية.

رابعًا: صناعة الدعاية الكاذبة وتضخيم الأكاذيب: تطورت في السنوات الأخيرة، الأساليب التضليلية المستخدمة من قِبل الجماعات الإرهابية والمتطرفة إلى حد خطير، إذ باتت هذه الجماعات تستغل التقدم السريع في الذكاء الاصطناعي لإنتاج روايات مزيفة تتم صياغتها بمستوى احترافي يضاهي الإنتاج الإعلامي المتخصص. فباستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، تستطيع هذه الجماعات كتابة نصوص دعائية مضللة بلغة مؤثرة، ثم ترجمتها إلى عشرات اللغات الأجنبية، فضلًا عن صناعة شخصيات افتراضية بالكامل، وجوه بلا وجود حقيقي، لتبدو المتحدثة الرئيسية في مقاطع فيديو مصممة بعناية لإقناع الجمهور غير المتخصص.
وبعد ذلك، تُستخدم خوارزميات نشر متطورة لدفع هذه المواد التضليلية إلى واجهة منصات التواصل الاجتماعي، بما يضمن انتشارها السريع وبلوغها أوسع نطاق ممكن من المتلقين. 

وهكذا يتحول الذكاء الاصطناعي، حين يقع في الأيدي الخطأ، إلى أداة ترويع ناعمة تُسهِم في نشر الفوضى وتضليل المجتمعات وتهديد الاستقرار.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء