دراسة: علاقة جديدة قد تكون الطريق لتجاوز صدمة الانفصال
في لحظة ما، قد يجد المرء نفسه واقفًا أمام مرآة تعكس وجع الانفصال بعد انتهاء العلاقة. القلب مثقل بالخذلان، والذاكرة لا تزال مأهولة بصور شريك رحل. في هذه اللحظات التي يتقاطع فيها الحنين مع الألم، يتردّد السؤال الأقدم في عالم العلاقات: هل العلاج حقًا في حبّ جديد؟
كثيرًا ما ينصح الأصدقاء، بدافع الحرص، بتأجيل الدخول في أي علاقة عاطفية عقب الفشل مباشرة. "خذ وقتك"، "امنح نفسك فرصة للنضج"، "لا تقع في فخّ التكرار"... عبارات اعتدنا سماعها حتى أصبحت أقرب إلى وصايا اجتماعية. غير أنّ الدراسات الحديثة تقترح رواية مختلفة وفقًا لما ذكرته شبكة الـ bbc ، أن الدخول في علاقة جديدة قد يكون أحيانًا، الخطوة الأولى نحو التعافي الحقيقي.
بين الوصمة الاجتماعية وحقائق العلم
لطالما ارتبطت فكرة "العلاقة التعويضية" بوصمة اجتماعية. يعتقد كثيرون أن من يسارعون إلى حبّ جديد يهربون من مواجهة ذواتهم أو من مداواة جراحهم. لكن الباحثة كلوديا برومبو، المتخصّصة في علم النفس العاطفي في إحدى الجامعات الأمريكية، قدّمت منظورًا مغايرًا.
تقول برومبو: "الأشخاص الذين يدخلون في علاقات جديدة بعد الانفصال مباشرة، غالبًا ما يتمتعون بثقة أعلى، ويشعرون بأنهم مرغوبون أكثر، كما يكتسبون إحساسًا أكبر بالاستقلالية".
في دراستها التي تابعت حالات مرّت بتجارب عاطفية فاشلة، لاحظت أن الارتباط الجديد لم يكن مجرد هروب، بل وسيلة عملية لإعادة بناء الصورة الذاتية. فالمسافة الزمنية القصيرة بين علاقتين لم تؤدِ إلى الانهيار النفسي كما هو شائع، بل ساعدت على الحفاظ على التوازن العاطفي والانتقال بسلاسة إلى مرحلة أخرى من الحياة.
أوهام النضج بعد الانفصال
من الأفكار المتداولة أنّ الإنسان يخرج من التجارب الفاشلة أكثر نضجًا واستقلالية. غير أنّ الباحث تاي تاشيرو – صاحب كتاب علم السعادة الدائمة – يرى أن هذا التصوّر ليس إلا "وهمًا إيجابيًا" نصنعه لأنفسنا.
يقول: "قد نقنع أنفسنا بأننا صرنا أكثر حكمة بعد الانفصال، لكن الواقع أن معظم الدراسات لم تُظهر تغيّرًا جوهريًا في الشخصية أو النضج النفسي بعد التجارب المؤلمة".
وبحسب تاشيرو، فإنّ الإحساس بالتطوّر العاطفي كثيرًا ما يكون مجرد آلية دفاعية لحماية صورة الذات من الانكسار، لا حقيقة موضوعية يمكن قياسها. ورغم ذلك، فهذا "الوهم الإيجابي" قد يكون نافعًا، إذ يخفف من ثقل الألم ويمنح صاحبه شعورًا بالقوة.
أنماط الارتباط... طفولة تلاحقنا
تفسير آخر يقدّمه علم النفس من خلال نظرية الارتباط. فطريقة ارتباطنا العاطفي بشركائنا الحاليين كثيرًا ما تنبع من تجارب الطفولة الأولى. من نشأ على معاملة مستقرة من الوالدين يميل إلى الشعور بالأمان، فيثق بالآخرين ويبحث عن الدعم عند الحاجة.
أما من كبر في بيئة مضطربة، فقد يتّسم ارتباطه بالعلاقات بالقلق أو الانطواء. هؤلاء قد يندفعون سريعًا إلى علاقات جديدة، لكن بدوافع مختلفة: القلقون يبحثون عن تأكيد مستمر للحب، فيما يميل الانطوائيون إلى تجنّب الحميمية مع استمرارهم في البحث عن شريك.
ومع أنّ هذه الأنماط تبدو ثابتة، فإنّها ليست قدَرًا محتومًا. فالدخول في علاقة مع شريك عاطفي متوازن قد يبدّل من شكل الارتباط ويمنح المرء فرصة لتجربة أكثر أمانًا.
تشابه الشركاء: وهم أم واقع؟
اللافت أن كثيرين ينجذبون إلى شركاء يشبهون مَن أحبّوهم سابقًا، سواء في الملامح أو الطباع. ويعلّق الباحثون بأن هذا التشابه غالبًا لا يتجاوز التصوّرات الشخصية. فالإنسان يحبّ الاتساق، وقد يُسقط صفات شريك سابق على الحالي حتى وإن لم تكن موجودة فعليًا.
تقول برومبو: "إذا كان شريكك السابق طاهيًا بارعًا ورومانسيًا، فقد تفترض أن الجديد سيكون كذلك. وعندما لا يتصرّف بالأسلوب نفسه، تشعر بخيبة أمل، رغم أنه قد يكون رومانسيًا بطرقه الخاصة".
بين الوهم والحقيقة... كيف نتعافى؟
في النهاية، لا توجد وصفة واحدة لتجاوز الفشل العاطفي. بعض الأشخاص يجدون في العزلة مساحة للنمو، فيما يكتشف آخرون أن حبًا جديدًا هو أقصر الطرق للخروج من نفق الألم.
لكن المؤكّد أن الانفصال يترك فراغًا نفسيًا، وأن ملء هذا الفراغ لا يعني بالضرورة تسرّعًا أو تهورًا. قد يكون الارتباط الجديد مجرد وسيلة لإعادة اكتشاف الذات، أو لإيجاد من يوفّر الدعم العاطفي المفقود.
كما يقول أحد المشاركين في دراسة لتاشيرو: "أهم ما تعلمته من علاقتي السابقة هو أن أقول آسف". درس صغير، لكنه كفيل بأن يصنع فارقًا هائلًا في العلاقات اللاحقة.