رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ماكرون في بكين: باريس تبحث عن موطئ قدم في عصر الرقائق الخضراء

زيارة الرئيس الفرنسي
زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بكين

مع بدء زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بكين، تبرز الأجندة الفرنسية المعقدة، إذ تسعى باريس لتحقيق الموازنة الكبرى في التعامل مع العملاق الآسيوي. تأتي هذه الزيارة في توقيت حاسم، يواجه فيه الاتحاد الأوروبي تحدي إدارة علاقته مع الصين وسط ضغوط أمريكية متزايدة وصراع جيوسياسي متصاعد.

لا يمكن تخطي أهمية الملفين السياسي والاقتصادي التقليديين، لكن التحدي الجوهري الذي يواجه ماكرون والغرب يكمن في صراع الهيمنة التكنولوجية المتعلق بالتحول الأخضر. لقد تحولت الزيارة إلى معركة على تأمين سلاسل الإمداد والتقنيات التي ستشكل مستقبل اقتصادات القرن الحادي والعشرين.

زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بكين
زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بكين

يتركز الزخم الحقيقي للزيارة على كيفية تأمين أوروبا لموقعها في سباق المركبات الكهربائية، والبطاريات، والمعادن النادرة، وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. تسعى فرنسا إلى الحصول على ضمانات صينية تخفف من مخاطر الاعتماد المفرط على بكين في هذه "الشرائح الخضراء" الحيوية، وفي الوقت نفسه، تجد الصين في التعاون مع أوروبا فرصة لتقليل الضغوط الأمريكية المفروضة عليها في مجال الرقائق المتقدمة، مما يجعل هذا الملف هو نقطة الالتقاء والاشتباك الأكثر حساسية واستراتيجية في رحلة ماكرون إلى قلب آسيا.

ماكرون واستدعاء إرث ديجول

يختلف مسار العلاقات الفرنسية-الصينية عن مسار علاقة بكين مع القوى الغربية الأخرى، إذ كانت فرنسا من أوائل الدول التي أدركت أهمية التواصل مع الحضارة الصينية، وهو ما مهد للخطوة الأهم لاحقاً. وقد حافظت الصين على تقديرها لهذه الصدارة، حيث يرى قادة بكين في فرنسا شريكاً غربياً يتمتع بروح استقلالية تُميّزه عن التكتلات التي تقودها الولايات المتحدة، مما يجعل باريس محاورًا مفضلًا يمكن الاعتماد على رصيده التاريخي لفتح قنوات الحوار في الأزمات.

قبل عقود، كان الموقف الأكثر حزمًا وتأثيرًا في تاريخ العلاقات هو قرار الرئيس الفرنسي شارل ديجول يوم 27 يناير 1964 عندما أعلن اعتراف فرنسا الرسمي بجمهورية الصين الشعبية في بكين وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة على مستوى السفراء.

زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بكين
زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بكين

كان هذا القرار إنجازاً دبلوماسيًا هائلًا ومخالفاً للموقف الغربي السائد، الذي كان يدعم حكومة تايوان "جمهورية الصين" ويعترف بها ممثلاً شرعياً للصين؛ لذلك شكلت مبادرة ديجول نقطة تحول، حيث جعلت فرنسا أول دولة غربية كبرى تفعل ذلك، وكسرت العزلة الدولية التي كانت مفروضة على بكين في خضم الحرب الباردة.

ولم يكن قرار ديجول مجرد اعتراف سياسي، بل كان تعبيرًا عمليًا عن عقيدته في سياسة العظمة والاستقلال الوطني، فكان يسعى لإثبات أن فرنسا قوة عظمى ذات سياسة خارجية مستقلة تماماً، لا تخضع للهيمنة أو الإملاءات الأمريكية أو تكتل حلف شمال الأطلسي (الناتو).

كما رأى في الصين قوة عالمية لا يمكن تجاهلها، واعتبر أن إقامة علاقة مباشرة معها أمر حتمي لتعزيز التعددية القطبية في العالم. هذا الإرث تحديداً هو ما يحاول الرئيس ماكرون استحضاره اليوم، ليؤكد قدرة أوروبا على لعب دور دبلوماسي مستقل في القضايا العالمية الكبرى، بعيداً عن الاصطفاف الحاد.

باريس والبحث عن ضمانات في معقل التكنولوجيا الصينية

ملف "الشرائح الخضراء" هو الأكثر استراتيجية وحساسية في محادثات ماكرون مع القيادة الصينية، حيث تهدف المفاوضات الفرنسية إلى تحقيق تخفيف المخاطر بدلاً من الانخراط التام الذي تروج له واشنطن، إذ تركز باريس على تأمين الوصول إلى المكونات الأساسية للتحول البيئي الأوروبي، خاصة المعادن النادرة وبطاريات المركبات الكهربائية التي تهيمن الصين على سلاسل إمدادها عالمياً.

زوجة الرئيس الصيني رفقة زوجة الرئيس الفرنسي خلال حفل استقبال ماكرون 
زوجة الرئيس الصيني رفقة زوجة الرئيس الفرنسي خلال حفل استقبال ماكرون 

ويبحث ماكرون عن ضمانات صريحة لعدم استخدام هذه المكونات كأداة ضغط جيوسياسي مستقبلاً، مع محاولة تأمين تسهيلات للشركات الفرنسية لتعزيز الإنتاج المشترك لبطاريات الليثيوم داخل الاتحاد الأوروبي. في المقابل، تُغرق المنتجات الصينية المدعومة حكومياً الأسواق الأوروبية، خصوصاً في قطاع السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية، مما يهدد بتدمير الصناعات المحلية في فرنسا وألمانيا.

سعت باريس خلال الزيارة إلى إيجاد آليات للموازنة تضمن المعاملة بالمثل في شروط المنافسة، وتدعو إلى شفافية أكبر في الدعم الحكومي الصيني. يُنظر إلى هذه الخطوة كجزء من استراتيجية أوسع للاتحاد الأوروبي لحماية قطاعاته الناشئة، مع توضيح أن الشراكة البيئية يجب أن تكون قائمة على التجارة العادلة وليست إغراقاً يخدم مصالح طرف واحد على حساب الآخر.

الذكاء الاصطناعي والتبادل النووي كأدوات للمقايضة التكنولوجية

امتدت أجندة الشرائح الخضراء لتشمل قطاع التكنولوجيا العميقة والذكاء الاصطناعي، فمع تشديد الولايات المتحدة للحظر على تصدير الرقائق عالية الأداء التي تُصنعها شركات مثل "إنفيديا" إلى الصين، تجد فرنسا نفسها في موقع دبلوماسي دقيق.

يحاول ماكرون فتح مجالات للتعاون العلمي والأكاديمي في مجال الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه، المطالبة بضمانات لحماية الملكية الفكرية الفرنسية والأوروبية من التسريب أو التجسس الصناعي؛ ساعياً إلى الاستفادة من حاجة الصين للخبرات التكنولوجية الأوروبية، مقابل تأمين وصول الشركات الفرنسية بشكل أفضل إلى السوق الصينية.

زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بكين
زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بكين

علاوة على ما سبق، ولتعزيز موقفه التفاوضي، استخدم ماكرون ورقة التفوق الفرنسي في الطاقة النووية المدنية، حيث تسعى باريس إلى توسيع التعاون مع بكين في مشاريع المفاعلات النووية الجديدة وتكنولوجيا الجيل القادم. يمكن أن يوفر هذا التعاون أداة مقايضة قوية، فبإمكان فرنسا أن تقدم خبرتها التقنية النووية المتقدمة في مقابل الحصول على تنازلات صينية في ملفات سلاسل الإمداد الخضراء أو تسهيلات أكبر لشركاتها التكنولوجية في السوق الصينية، مؤكدة أن العلاقات يجب أن تقوم على تبادل المصالح الاستراتيجية في قطاعات الطاقة التي تشكل ركائز الأمن القومي المستقبلي.

ختامًا:

 لقد كشفت زيارة الرئيس الفرنسي إلى بكين عن تحول جوهري في أولويات الدبلوماسية الغربية تجاه الصين، فبينما كان ملفا الحرب في أوكرانيا والتوترات مع الناتو يسيطران تقليدياً على صدر المحادثات بين بكين وباريس، تراجع وزنهما ليحتل محلّهما ملف "الشرائح الخضراء" وتكنولوجيا المستقبل.

هذا التحول ليس مجرد تغيير في الأجندة، بل هو اعتراف واقعي بأن التحدي الحقيقي ليس في رسم الخرائط الجيوسياسية الحالية، بل في السيطرة على مسارات النمو الاقتصادي العالمي للسنوات القادمة.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء