عندما أطالع الصحف وأشاهد النشرات الإخبارية وأستمع للإذاعات، يصيبني حزن واكتئاب على حال أمتنا العربية.. يجلجل في أذني صوت الوطن العربي يتحطم يوما بعد يوم بين حدود من الدم والخذلان.
في فلسطين، يتواصل الوجع جيلا بعد جيل، كأن الأرض هناك اعتادت أن تقاوم بالبقاء وحده، في السودان، يبتلع الدخان وجوه الناس، ويختلط التراب بصرخات النازحين، اليمن تمضي سنواته بين جوع وحرب وبحث مرير عن لحظة سلام ، ليبيا تتنازعها غربان الاستعمار من كل جانب وما تزال تبحث عن دولة تضبط نبضها المتوحش .
أما سوريا فحدث ولا حرج ، لا نعلم مصيرها في ظروفها الحالية ، فليس مضمونا حتى أن تبقى ضمن الوطن العربي، هذه ليست أزمات سياسية فحسب ، بل مآس إنسانية تلقي بظلالها على ملايين العائلات باتت حياتها برحلة طويلة عبر العتمة.
رغم هذا الخراب الممتد، يقف الوطن العربي عاجزا، كمن فقد بوصلته، لا مبادرات جادة، ولا خطوات جريئة، ولا إرادة تضمد الجروح المفتوحة، باتت الدول العربية، التي كانت يوما تبشر وتستبشر بحلم الوحدة منشغلة بتثبيت حدودها الداخلية أكثر من التطلع نحو أفق مشترك.
أين ذهبت دعوات الوحدة العربية؟ الدعوات التي ملأت الشوارع في زمن مضى، وكانت الأغاني الوطنية تصدح بها، والمثقفون يحلمون بها، والأجيال تراها قارب الخلاص الوحيد.
كانت الوحدة فكرة حالمة، تمشي على قدمين من الأمل، لكنها وقعت في فخ الواقع، وذهبت أدراج الرياح مثل ورقة في عاصفة ، عاش العرب قرونا تحت نير الاستعمار، بعد أفول دولة الخلافة العباسية، طمع فيها التتار والصليبيون وبعدهم العثمانيون، بقوا رازحين تحت الاحتلال، وعندما حانت لحظة الاستقلال , وجدوا أنفسهم في لحظة تفتت وضياع .
لعب الاستعمار سابقا - الغرب حاليا - دورا كبيرا ومؤثرا في منع توحد العرب أو تقاربهم السياسي والاقتصادي، وهذه حقيقة تاريخية معروفة، فبعد انهيار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى ، قسم الاستعمار الأمة العربية إلى دول صغيرة وحدود مصطنعة من خلال اتفاقية سايكس - بيكو ، حرصت إنجلترا وفرنسا في تقسيمهما على تجزئة القبائل ،قطع التواصل الجغرافي، تفكيك روابط اللغة والدين، وزرع التناقض في المصالح الاقتصادية المشتركة، فأصبحت كل دولة جزيرة سياسية رغم أن جميعها جزء من نسيج واحد.
كان من المفترض أن تتكاتف الدول العربية لإعادة وحدتها وتعظيم قوتها، فهي تشغل مساحة كبيرة ، تتحكم في الممرات البحرية الأساسية في العالم ، غنية بالبترول والغاز ومعادن أخرى ، عدد سكانها أكثر من 400 مليون نسمة يتكلمون لغة واحدة ولهم تاريخ واحد وثقافة واحدة ويعيشون في سلام ديني .
لكن حدث العكس فقد تنافرت الدول العربية وتفككت، بسبب تضارب مصالح الأنظمة والحكام ؛ فصار لكل دولة حساباتها، أمنها، اقتصادها، تحالفاتها، وعمق من هذه الحالة اختلاف الأنظمة السياسية والعقائد الحاكمة؛ ملكيات وجمهوريات، أنظمة مركزية وأخرى قبلية، حكومات ذات توجهات متباينة من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين.
فكيف تتوحد دول لم تتفق على تعريف واحد للديمقراطية أو الأمن أو الدور الإقليمي؟ وبالطبع أهم الأسباب تمسك كل حاكم بسلطته، فالوحدة تعني المشاركة، وتقاسم القرار، والتنازل عن جزء من السيادة لصالح كيان أكبر.
وفي عالم السياسة العربية، السلطة ليست أداة للحكم؛ بل غاية في ذاتها، وأهم أسباب خفوت حلم الوحدة ، أن الكثير من الحكام الذين صعدوا خلال فترة الاستعمار كانوا مدعومين من القوى الأجنبية، فارتبطت مصالح استمرارهم بالحفاظ على الوضع القائم لا تغييره.
لم يكتفي الاستعمار بما فعله بالحدود المصطنعة، فقد خلق نخب سياسية تعتمد على القوى الخارجية ، زرع بؤر صراع طويلة المدى، زرع إسرائيل في قلب المنطقة لخلق صراع مستمر ، دعم انقلابات وصراعات داخلية ، قام تقوية أقليات أو مجموعات معينة على حساب أخرى، في الزمن المعاصر لا يمنع الغرب الوحدة بصورة علنية، ولا يصرحون برفضهم وحدة العرب، إنما يعملون بأساليب مختلفة وأكثر تعقيدا، عبر إدارة المصالح، وخلق التوازنات، والمحافظة على التفوق الاستراتيجي، فمصالح الغرب تعتمد على بقاء الدول العربية متفرقة، لأن الدول العربية لو توحدت أو شكلت اتحادًا اقتصاديًا قويا سيظهر لاعب عالمي جديد ينافس القوى الاقتصادية الكبيرة .
لذلك فإن تفتيت القوة العربية يعني ضمان استمرار التفوق الغربي، وكلما زادت الانقسامات والصراعات الداخلية، زادت صفقات شراء السلاح وزادت حاجة الحكومات للدعم الأمني وأصبح من السهل التحكم في القرارات السياسية ، وهذا الوضع يخدم الشركات الغربية الكبرى والحكومات التي تدعمها، بجانب هدف أساسي وكبير وهو التحكم في موارد الطاقة وفي الممرات البحرية التي تشكل شرايين الاقتصاد العالمي، ولهذا تفضل القوى الخارجية أن تبقى المنطقة في حالة توازن هش لا يسمح بالوحدة ولا يسمح بالانهيار الكامل.
هناك سبب جوهري في مسألة افتقاد الوحدة العربية، أن العرب لا يتفقون على تعريف محدد للوحدة، هل هي عقيدة أم استراتيجية أم هدف نضالي ؟ هل هي مشروع سياسي أم حضاري متكامل ؟ هل الوحدوي هو المؤمن بالوحدة كعقيدة أم أنه يسعى لتحقيق الوحدة أيا كانت جذوره وفكره ؟ .
لقد أفشل الاستعمار المحاولات السابقة للوحدة – مصر وسوريا مثالا – واستطاع التلاعب بتناقضات الأنظمة ومصالحها، ومازال يعمل بكل جدية على ذلك، وهو ما أوصلنا إلى حالنا هذه ، وبقى الإنسان العربي الخاسر الأكبر، تلاشى صوته، صار يريد فقط دولة تحميه، لا يهمه شكل النظام بقدر ما تعنيه لقمة العيش، لا يرهقه التفكير في مفهوم الحدود بقدر ما ترهقه الحرب، ويبقى دم المواطن العربي هو الذي يسفك، والطفل العربي هو الذي يكبر بلا وطن مستقر.
ومع ذلك , فإن حلم الوحدة لا يموت، قد يمرض قد يخفت، لكنه لا ينطفئ، ربما يحتاج إلى زمن جديد، إلى قيادات جديدة، إلى رؤية تتسع للجميع، وإلى شعوب تؤمن بأن ما يجمعها أكبر مما يفرقها.