أسواق النفط 2025: فائض 4 ملايين برميل وسعر برنت 52 دولارًا
أكد محمود جمال سعيد، الباحث الاقتصادي ومتخصص أسواق المال، أن الأسواق النفطية تشهد تحولاً جوهرياً في بنيتها الأساسية، حيث ينتقل مركز الثقل من الندرة النسبية إلى فيضان المعروض.
وأضاف فى تصريح خاص لـ«إيجبتك» أن المرحلة التي كان فيها تحالف "أوبك+" قادرًا على هندسة السوق لصالحه قد انتهت، وحل محلها عصر تتسم فيه السوق برياح تنافسية شرسة وتغيرات جيواقتصادية عميقة.
وأوضح سعيد أن هذه اللحظة الفارقة ستحدد ملامح الاقتصاد العالمي لسنوات قادمة، مستعرضًا بالأرقام والتحليل أسباب هذا التحول، وتوقعاته المستقبلية، وتأثيراته المتفاوتة على دول العالم.
مشهد 2025.. فيضان المعروض وترنح الطلب
أوضح الباحث أن المعادلة التي حكمت السوق لعقود انقلبت رأسًا على عقب، مشيرًا إلى عاملين رئيسيين وراء فيضان المعروض:
-تحول استراتيجي لتحالف "أوبك+": من سياسة "الدفاع عن السعر" إلى سياسة "الدفاع عن الحصة السوقية"، ما دفعه لرفع الإنتاج تدريجيًا ومستمرًا.
-الزيادة القياسية في الإنتاج خارج التحالف: تقود الولايات المتحدة والبرازيل وغويانا موجة إنتاجية ضخمة، ما قد يزيد المعروض العالمي بما يتجاوز مليوني برميل يوميًا خلال العامين المقبلين.
وتوقع سعيد أن يسجل السوق فائضًا هيكليًا قد يقترب من 4 ملايين برميل يوميًا بحلول 2026، وهو ما قد يخلخل موازين القوى السابقة.
وعلى صعيد الطلب، أشار الباحث إلى ضعف هيكلي في النمو، مع تباطؤ الاقتصاد في الدول الصاعدة الكبرى وعلى رأسها الصين، إضافة إلى الحرب التجارية المتصاعدة بين القوى الاقتصادية الكبرى، مما يقلص الطلب على وقود الشحن والنقل.
وأكد أن هذه العوامل مجتمعة تخلق بيئة يطغى فيها فائض المعروض على أي نمو محتمل في الطلب، مما يمهد لمرحلة جديدة من الأسعار المنخفضة نسبيًا.
توقعات الأسعار.. هبوط متدرج وحدود حرجة
أشار سعيد إلى أن التوقعات السعرية تتجه نحو مزيد من الضعف، حيث يتوقع الإجماع بين المؤسسات المالية والبحثية العالمية أن يتراوح متوسط سعر خام برنت بين 58 و68 دولارًا للبرميل في 2025، مع توقع انخفاض أكبر في 2026 نحو نطاق 52 إلى 60 دولارًا.
ونوه إلى أن مستوى 60 دولارًا يمثل خطًا دفاعياً نفسياً واقتصادياً، فهو الحد الأدنى لجدوى مشاريع النفط الصخري مرتفع التكلفة، وكذلك الحد الذي تتحرك تحته موازنات العديد من الدول المنتجة.
وحذر من أن أي تصعيد جيوسياسي في الشرق الأوسط أو تعطيل كبير للشحن في الممرات البحرية الحيوية يمكن أن يرفع الأسعار بشكل سريع وعابر، لكنه أكد أن هذه الصدمات ستكون قصيرة الأجل ولن تغير الاتجاه العام طالما استمر فائض المعروض الهيكلي.
الدول الخاسرة.. موازنات تحت الحصار
أوضح سعيد أن تبعات هذا التحول ملموسة على بعض الدول:
-دول المأزق المالي: مثل السعودية، حيث يحتاج سعر التعادل المالي لموازناتها لعام 2025 نحو 96 دولارًا للبرميل، أعلى بكثير من التوقعات السوقية، ما يفرض ضغوطًا هائلة ويهدد برامج التنويع الاقتصادي.
-منتجي التكلفة الحدية المرتفعة: أبرزهم قطاع النفط الصخري الأمريكي، الذي يصبح غير مجدٍ اقتصاديًا عند انخفاض سعر خام غرب تكساس الوسيط دون 60 دولارًا، مما قد يقلص الإنتاج الأمريكي لأول مرة منذ سنوات بحلول 2026.
-الدول بلا شبكة أمان مالي: مثل نيجيريا وأنغولا والعراق، حيث يشكل انخفاض العائدات النفطية تهديدًا للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
الدول الرابحة.. هبة الطاقة الرخيصة
أوضح سعيد أن انخفاض أسعار النفط يمثل فرصة تاريخية للدول المستوردة للطاقة، أبرزها:
-الدول الصناعية الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي واليابان، إضافة إلى الصين والهند، تستفيد من انخفاض فاتورة الطاقة، ما يخفض تكاليف الإنتاج ويحسن موازين المدفوعات ويعزز القوة الشرائية للمستهلكين.
-انخفاض أسعار النفط يسهم في خفض التضخم العالمي بما يصل إلى 1.5 نقطة مئوية، ما يمنح البنوك المركزية مجالًا أكبر للمناورة ودعم النمو الاقتصادي.
-يخلق انخفاض الأسعار "حيزًا ماليًا" للدول النامية المستوردة يمكن توجيهه نحو الاستثمار في البنية التحتية والتعليم والصحة، أو لتسريع برامج الإصلاح الهيكلي ورفع الدعم تدريجيًا دون صدمات اجتماعية.
ارتباك في موازين القوى العالمي
أوضح سعيد أن الأسواق النفطية لم تعد تحت هيمنة الأحادية، وأن تحالف "أوبك+" فقد جزءًا كبيرًا من قدرته على إدارة السوق لصالحه.
وأضاف أن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار ضغوط الهبوط مع تداول الأسعار في نطاق منخفض لفترة طويلة، وأن المرونة الوحيدة أمام الدول المنتجة تكمن في تسريع التنويع الاقتصادي والابتكار التكنولوجي لخفض تكاليف الإنتاج.
أما الدول المستهلكة، فهي أمام فرصة ذهبية مؤقتة لتعزيز مرونتها الاقتصادية وزيادة الاستثمارات في تحول الطاقة، مؤكداً أن عصر الهيمنة الأحادية على سوق النفط قد ولى، والمستقبل ينتمي للأكثر مرونة والأسرع تكيفًا مع تحولات السوق الهيكلية، سواء كانوا منتجين أو مستهلكين. النفط لن يكون مجرد سلعة بعد اليوم، بل مقياسًا لتوزيع القوى الجديدة في النظام العالمي الناشئ".