آبانا في بلاط الخلافة.. "يوحنا الدمشقي" حكاية مسيحي بقصر الأمويين
ولد يوحنا منصور بن سرجون عام 676 في دمشق لعائلة مسيحية، وكان ينتمي إلى المجتمع المسيحي في قلب الدولة الأموية برغم أن أباه كان وزيرًا وجده رئيسًا لديوان الجباية المالية، إلا أن يوحنا اختار طريقًا مختلفًا يجمع بين الخدمة العامة والزهد الروحي، بدأ حياته في بلاط الدولة الأموية، حيث شغل منصبًا إداريًا مهمًا، مكنه من التعرف على تفاصيل الحكم والسياسة في عصر الخلفاء الأمويين.
لكن الطموح الروحي كان أقوى من الطموح الدنيوي، فاختار يوحنا الدمشقي الانسحاب إلى حياة الرهبنة، فدخل دير القديس سابا قرب القدس، بعيدًا عن صخب البلاط، مكرسًا نفسه للصلاة والدراسة والتأليف، رغم ذلك، ظل على اتصال بالحكام الأمويين، وجمعته صداقة بعدد منهم، مما أتاح له التأثير على الحياة الفكرية والدينية في عصره.
يُعد يوحنا الدمشقي آخر آباء الكنيسة الشرقية، ومؤلفاته اللاهوتية والفلسفية شكلت مرجعًا هامًا للعالم المسيحي، حتى أن القديس توما الأكويني استشهد بها. كان مؤلفًا باليونانية، مستخدمًا السريانية في حياته اليومية، ومتقنًا اللغة العربية، وقد كتب عن الدفاع عن العقائد المسيحية، خصوصًا حول مسألة تكريم الأيقونات، مؤسسًا لاهوت الأيقونة الذي اعتمدته الكنيسة على مر القرون ترك يوحنا الدمشقي إرثًا موسيقيًا وروحيًا غنيًا، حيث ألف العديد من الترانيم الكنسية التي ما زالت تُستخدم في طقوس الكنيسة البيزنطية.
وعرف بلقب دُفاق الذهب لفصاحته وبلاغته، وكان نموذجًا يجمع بين قداسة الراهب، وعمق اللاهوتي، وفصاحة الرجل الذي عرف كيف يكون جزءًا من حياة الدولة، وفي نفس الوقت مخلصًا لإيمانه ومبادئه الروحية.
أمضى في الدير نحو ثلاثين عامًا، وعاش حياة مليئة بالصلاة والعمل، حتى وافته المنية عام 749، وفي عام 1890 أعلنه البابا لاون الثالث عشر معلمًا للكنيسة الجامعة.
قصة يوحنا الدمشقي تبرز كيف يمكن للمرء أن يجمع بين الإيمان والعمل، وأن يكون رجلاً روحانيًا وعقلانيًا في آن واحد، قادرًا على التأثير في الدولة والمجتمع دون أن يتنازل عن معتقداته.