رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

رحلة رباعيات عمر الخيام.. من تيتانيك إلى حرائق الحرب العالمية

رباعيات عمر الخيام
رباعيات عمر الخيام

تعتبر نسخة "رباعيات عمر الخيام" أحد أروع نماذج تجليد الكتب في التاريخ، لكن رحلته الاستثنائية نحو البقاء كانت مليئة بالمآسي، جاعلة منه رمزاً للجمال الهش والقدر الغامض.

في أبريل 1912، كان أحد أكثر الكتب قيمة في العالم في طريقه من لندن إلى نيويورك، محملاً على متن السفينة الأسطورية "آر إم إس تيتانيك" كانت هذه النسخة المرصعة بالجواهر من  رباعيات الخيام، تحفة فنية بكل ما في الكلمة، قد اكتملت قبل عام فقط بعد جهد استمر لعامين.

كان الصانع وراء هذه التحفة هو فرانسيس سانجورسكي، الحرفي البارع الذي أسس مع شريكه جورج ساتكليف شركةً شهيرةً لتجليد الكتب. وبحلول عام 1911، أنهى سانجورسكي عمله الخارق على الكتاب: غلاف ضخم (40 × 35 سم) زُين بـ 1050 جوهرة من الياقوت والتوباز والزمرد، واستخدم فيه حوالي 9 أمتار مربعة من الأوراق الذهبية وقرابة 5 آلاف قطعة جلد، ولم يدع سانجورسكي شيئاً للصدفة، حتى أنه اقترض جمجمة بشرية لرسمها بدقة ودفع رشوة لحارس حديقة حيوان ليصور أفعى تبتلع فأراً، كل ذلك في سبيل الدقة الفنية.

كانت هذه النسخة الفاخرة ثمرة طلب خاص من جون ستونهاوس، مدير دار نشر "سوثران"، الذي أوصى سانجورسكي قائلاً: "افعلها جيداً، ليس هناك حد للميزانية، وكلما زاد السعر سأكون أكثر سعادة".. وبالفعل، عندما اكتمل العمل، وصف ستونهاوس الكتاب بأنه "أفضل وأروع عينة من التجليد" رآها في حياته.

عُرض الكتاب للبيع بألف جنيه إسترليني (ما يعادل 120 ألف جنيه اليوم)، لكن الإقبال في بريطانيا كان خفيفاً، ورفض تاجر أمريكي شراءه أيضاً، فقررت دار النشر شحنه عبر المحيط الأطلسي على أمل عرضه في السوق الأمريكية.

ولكن السفينة التي اختيرت لنقل هذه الكنوز الثقافية كانت “تيتانيك”، وفي ليلة 14 أبريل 1912، غرقت السفينة ومعها الكتاب، وأكثر من 1500 راكب.

ويُعتقد أن الكتاب كان تحت حراسة الشاب هاري إلكينز وايدنر، جامع الكتب الثري الذي غرق مع والده، ليدفن الكتاب في ظلمة المحيط لم تمض عشرة أسابيع على الغرق حتى توفى سانجورسكي حزناً على ضياع تحفته، لكن القصة لم تنتهِ هناك.

بعدعقود، وفي أواخر الثلاثينيات، قررت ورشة سانجورسكي وساتكليف إحياء التحفة المفقودة، وتولى المهمة ستانلي براي، ابن أخ جورج ساتكليف، الذي أعاد إنتاج نسخة ثانية مذهلة اعتماداً على رسومات سانجورسكي الأصلية.

لكن لعنة الكتاب ظلت تلاحقه: فمع اندلاع الحرب العالمية الثانية، تعرضت الورشة في لندن للقصف خلال الغارات الجوية الألمانية (ذا بليتز)، واحترقت النسخة الثانية تماماً.

غير أن إرادة الفن كانت أقوى من النار والحرب، وواصل براي عمله بإصرار، وبعد قرابة 4000 ساعة عمل شاقة، أنجز النسخة الثالثة والأخيرة من الكتاب في عام 1989، مستخدماً بعض الجواهر التي أنقذت من رماد النسخة الثانية.

اليوم، تُحفظ هذه التحفة الناجية في المكتبة البريطانية، شاهدةً على ثلاثية نادرة: "فخامة لا تُضاهى، ومهارة فنية عبرت ثلاثة أجيال من الحرفيين، وقدرٌ غامض جعل من الكتاب أسطورة تتحدى الغرق والحرائق".

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء