يقدّم منطق أرسطو القديم أدوات بالغة البساطة والعمق في آن واحد، تسمح بتفكيك كثير من المعضلات الاجتماعية والسياسية التي نعيشها اليوم. ومن أهم هذه الأدوات ما يعرف بـ«مربّع أرسطو» أو «مربّع المعارضة»؛ وهو إطار منطقي يربط بين أربعة أنماط من القضايا: الكلي الموجِب، والكلي السالب، والجزئي الموجِب، والجزئي السالب. وباختصار يسهل على القارئ استيعابه، فإن قلنا "كل الموظفين نزهاء" هو مثال للكلي الموجب، بينما "لا موظف نزيهاً" يمثّل الكلي السالب. وإذا قلنا "بعض الموظفين نزهاء" كان ذلك جزئياً موجباً، أما "بعض الموظفين غير نزهاء" فهو جزئي سالب. هذا التقابل بين الأحكام يجعل أي تغيير في أحدها مؤثراً بالضرورة في صدقية الأحكام الأخرى: فإذا زعم أحد أن «كل» فئة من الناس تتصف بصفة ما، ثم اعترف ولو ضمناً بوجود «بعض» أفراد تلك الفئة ممن يفتقرون لتلك الصفة، انهار البناء المنطقي فوراً. لذلك استخدم الفلاسفة هذا المربّع منذ القدم لضبط الاستدلال ومنع التناقضات التي ننزلق إليها عندما ننقل الأحكام من الخاص إلى العام أو من الجزئي إلى الكلي بلا روية أو دليل.
وتبدو بساطة هذا المربّع شديدة الخداع، إذ يصلح مدخلاً لفهم كثير من تشوّهات المنظومة الإدارية والمؤسسية في عالمنا العربي. فإذا رسخ في الوعي البيروقراطي أن المناصب العامة لا تُمنح إلا لمن يخلو من سمات الاستقلالية الفكرية والقدرة المهنية والخبرة الحقيقية، فإن ذلك الادعاء هو في جوهره «كلي موجب» مفاده أن كل من يشغلون المناصب العليا ليسوا من أهل العلم والخبرة والاستقلال. وإذا انتقل ذلك الفرض من الوعي الجمعي إلى التطبيق، واستقر معيار الاختيار على الولاء قبل الكفاءة، وعلى التبعية قبل المبادرة، فإن النتيجة المنطقية هي أن المؤسسات لا يمكن إلا أن تصبح خلوًا من الكفاءات. فالمربع الأرسطي لا يترك مجالاً للفكاك: إذا كانت شروط التعيين تستبعد أصحاب المهارات، فسيُستبعَد بالضرورة كل صاحب مهارة. وإذا كان وجود «بعض» الكفاءات يعدّ تهديداً لمنظومة مغلقة، فالمحصلة هي غياب «الكل» لاحقاً. وما نراه من تراجع في الأداء العام ليس إلا تعبيراً عن منطق بسيط أهملناه: لا يمكن أن تُنتج مقدمات معيبة نتائج سليمة.
وينطبق المنطق نفسه على المجالس النيابية المنتخبة. فإذا استقر العُرف، أو ترسّخت القناعة عند العامة والخاصة، بأن الانتخابات لا تُفضي بطبيعتها إلا إلى تزوير إرادة الناخبين، فإننا هنا أمام «كلي موجب» آخر يفضي إلى أن كل مجلس منتخب هو بالضرورة غير ممثل لمجتمعه. وإذا قبلنا هذا الحكم على مستوى الوعي العام، صار من العبث مطالبة تلك المجالس بالتعبير عن هموم الناس أو الرقابة على السلطة أو تمثيل التنوع الاجتماعي، لأنها في هذه الحال ليست إلا «عينة غير ممثّلة» خرجت من عملية انتخابية معيبة في أصلها. المنطق الأرسطي يفرض هنا نتائج ثقيلة الوطأة: فإذا كانت العملية كلها قائمة على الإقصاء، فسيقصى المجتمع بأسره من تمثيل ذاته. وإذا كان وجود «بعض» المقاعد التي اكتسبت عبر تنافس شفاف يعدّ استثناءً، فسيظل هذا الاستثناء عاجزاً عن تغيير بنية «الكل» التي حسمها التزوير سلفاً.
إن ما يقدمه مربّع أرسطو من دروس يتجاوز حدود النظرية إلى ميدان الإصلاح ذاته. فأي إصلاح يبدأ من إعادة تعريف المقدّمات، لأن النتيجة الصحيحة لا تتولد من مقدّمات فاسدة. فإذا أردنا مؤسسات قوية فعلاً، فعلينا أن نغيّر القاعدة من «لا مستقل ولا خبير يصل إلى المنصب» إلى نقيضها المنطقي: «بعض» المستقلين والخبراء يجب أن يصلوا—على الأقل—كي يصبح الطريق ممكناً أمام «كل» من يستحق. وإذا أردنا مجالس نيابية تعبّر عن الناس، فعلينا أن ننتقل من يقين مزعج بأن «كل انتخابات مزوّرة» إلى يقين مضاد بأن «بعض الانتخابات يمكن أن تكون نزيهة»، ثم العمل على توسيع هذا الجزئي الموجب حتى يصبح قاعدة عامة تضمن حضور المجتمع في مؤسساته.
إن منطق الإصلاح لا يبدأ إلا عبر إعادة ضبط العلاقة بين المقدمات والنتائج. فحين يستقيم الأساس المنطقي يستقيم البناء كله، وحين تُحترم القواعد الأولية لعمل المؤسسات—من استقلالية، وكفاءة، وتمثيل حقيقي—تولد النتائج الطبيعية: جهاز إداري كفء، ومجالس منتخبة تعبّر عن ناخبيها، وحياة عامة تتنفس قدراً من العقلانية والانضباط. أما إذا استمر ارتجال الأحكام والتسامح مع مقدمات فاسدة، فسنظل ندور في حلقة مفرغة ينتج فيها الضعف ضعفاً، ويعيد فيها الخلل إنتاج نفسه جيلاً بعد جيل.
ولعل أهم ما يذكّرنا به مربّع أرسطو اليوم هو أن الحقيقة لا تحتاج إلى تعقيد، بل إلى اتساق. فإذا صحّت المقدمات صحّت النتائج، وإذا فسد الأصل فسد الفرع. لذلك فإن التحول نحو إصلاح مؤسسي حقيقي لن يتحقق إلا بقرار واعٍ يعترف بهذه البديهية البسيطة: لن تقوم دولة حديثة من غير كفاءات مستقلة، ولن يقوم تمثيل سياسي من غير انتخابات نزيهة، ولن يستقيم منطق الإصلاح من غير احترام منطق الأشياء ذاته.