رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

يجوب الشوارع ومعه قرد في الغالب يدعي ميمون متسلسل أحياناً يأمره فيطيع، ويصحب معه آلات الطلبة و المزمار، يتجمع الناس حوله ليروا القرد وهو يرقص علي الأنغام أو يقفز برشاقة ويلهو، أو يقوم بحركات مضحكة بأوامر من صاحبه، يحدثنا التراث عن مهنة «القرداتي»، فهو الشخص الذي يصطحب قرد ويغني له أحياناً، وتسعد الناس من حوله فيضعون المال لـ«القرداتي» نظير البهجة والسعادة والمهارة في السيطرة علي القرد. 

تعد مهنة «القرداتي» جزء من التراث الشعبي مثلها مثل الحكواتي، ولقد أصبحت هذه المهن في طي النسيان، فقد يري المجتمع الآن أن استغلال الحيوان يقع تحت بند عدم احترام حقوقه، كما أن التكنولوجيا لعبت دورها في تراجع المهن وانحسارها ليحل محلها مهن أخري، فقد تحدث بن خلدون في مقدمته عن أن تقدم العمران يقود إلي تغير في الصنائع البشرية فهل طرأ علي القرداتي تغير؟ بالطبع نعم. 

لقد ارتبطت مهنة القرداتي بعدد من الأغاني الشعبية والتراثية مثل "الليل الليل يا ميمون".. وغيرها يصاحبها أحياناً الرقص علي المزمار البلدي، كان القرداتي يجوب الشوارع والموالد بحثاً عن تجمعات الناس في سيبل إظهار مواهبه في التحكم والسيطرة علي سلوك القرد يقابل ذلك جمع المال بطبيعة الحال. 

تحول «القرداتي» اليوم إلي ما يمكن تسميته بـ"القرادتي الرقمي" فقد قمت بسؤال الذكاء الاصطناعي هل يمكن أن تكون قرداتي؟ أجاب بدهاء وعلي طريقة الشخص الثالث نعم الفرد يقدر يبقي «القرداتي» في العالم الرقمي أو في عرض مسرحي، وعرض باجتهاده أن يقدم لي أغنية مصاحبة للقرداتي في عرض رقمي فوافقت، فذهب قائلاً: ياسلام علي الهيصة والفرحة جاية .. والقرد شحاتة عامل حكاية .. قوم يا شحاتة أرقص شوية  فرح ولادنا، أضحك يا قردي وحيي الناس دا أنت العشرة يا بن الإحساس... إلخ، وبسؤاله من أين أتيت بالأغنية قال من خيالي.

نجح الذكاء الاصطناعي أن يعيد إنتاج الماضي التراثي، وهذا الأمر يحتاج إلى تأمل، فالذكاء الاصطناعي التوليدي لديه القدرة علي استدعاء الماضي، حتي التراث، وبالحديث معه أدركت أن لديه القدرة علي تحويل الماضي إلي حاضر رقمي، فقد أشار إلي أن لديه القدرة علي إنتاج جسد قرد روبوت ويقوم بنفس المهام داخل الموالد الرقمية، كما قدم طريقة الصناعة من الخامات والمستشعرات الذكية وغيرها من لوازم الصناعة، وأشار أنه يستطيع أن يلقي البهجة علي الجماهير التي تتفاعل معه كما لو كان التراث آني، والسؤال الآن هل لنا أن نعيد إنتاج الماضي باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي؟ يمكن أن يقدم هذا النموذج رؤية حول مشروع لاستعادة التراث والحفاظ عليه عوضاً عن نسيانه أو اندثاره، كما يجب أن يتم النظر في تغذية الذكاء الاصطناعي بالأغاني التراثية والحكم والأمثال الواقعية، حتي لايعتمد فقط على الاستنساخ من خياله التوليدي في تراث القصص والأغاني والعبر، ويهدد بذلك الموروثات الثقافية الوطنية الأصيلة.

وجدير بالاعتبار – وعلي سبيل المجاز – ظهر "القرداتي الرقمي" في الوقت الراهن بمواصفات البارع في استخدام التقنية والتكنولوجيا وترويضها من أجل الضحك والهزار وجمع المال من أجل الحصول علي الترند، ولكن «القرداتي» بهذا المعني غرضه الأساسي جمع التعليقات والمشاركات والحشود على منصاته الرقمية، عبر قدرته على الهزار والضحك من أجل الضحك.

ثمة اختلافات بين "قرداتي" التراث الذي كان يسعى إلي سعادة الناس بأدواته البسيطة والقرد المصاحب له بنبل وجهد وأصالة تراثية، وعندما كان يبتسم الناس كان يبتسم معهم دون مجاملة لأنه هدفه هو إسعاد الناس بالإضافة إلي جمع المال، ولكن جمع المال لم يكن على حساب الثوابت والعادات والتقاليد الاجتماعية، علي العكس "القرداتي" كان محافظ علي التراث عبر الأغاني التي يرددها والآلات التي كانت بحوزته، بينما "القرداتي الرقمي" يسعى إلي جمع المال حتي ولو علي حساب التراث، وقد يمتد الأمر لتجاوز العادات والتقاليد وبعض الثوابت الاجتماعية من أجل جمع المال، وعندما يبتسم من وراء كاميرا الهاتف قد نتأكد بعد أنه فلتر مزعوم، فـ«القرداتي» تم إعادة إنتاجه علي نحو رقمي، والتراث نراه من بعيد، وكلما يبتعد عن الأجيال تتضاءل الرؤية حتي لا نكاد نراه إلا بصعوبة والأجيال الرقمية لم تعد تراه، ويبقي كما أخبرني الذكاء الاصطناعي أن القرداتي الرقمي هو صناعة من وحي الخيال ومهمته ليس أن يضحك الناس، ولكن مهمته أن يضحك على الناس.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء