رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

استكمالاً لتحليلنا الورقة البحثية التي أرسلتُها للنشر بعنوان “The Walls Remember Their Faces: Sonic Memory, Affective Resistance, and Revolutionary Temporality in Egypt's Tahrir Square”، والتي حفرتُ فيها طبقات الزمن العاطفي الذي صنعته أصوات الثورة، نواصل رحلتنا في هذه السلسلة للبحث عن الجذور العميقة لتلك الظاهرة في الحضارات القديمة. فإذا كان ميدان التحرير قد شكّل "زمانية ثورية" عبر "بنية تحتية صوتية"، فإن المقال الخامس تساءل: كيف أدرك المصري القديم قوة الصوت في تنظيم الوجدان الجمعي وبناء الزمن الديني والسياسي؟ وكيف يمكن لصرير معول عامل بسيط أن يتحول إلى نغمة موحدة؟ وإلى أي مدى تُعد تلك الألحان أولى تجليات "الحوكمة الوجدانية" في التاريخ؟ 


وبينما كانت مصر القديمة تستخدم الصوت كقوة كونية لترسيخ النظام والربط بين العالمين الإلهي والبشري، ننتقل فى مثال اليوم السادس من السلسلة إلى اليونان. لقد شكَّلت اليونان الكلاسيكية رؤيةً أكثر تعقيداً للصوت الجمعي. ففي مسارح أثينا المفتوحة، حيث تلتقي السماء بالأرض، والآلهة بالبشر، لم يكن الكوروس مجرد مجموعة من المغنين أو راقصي الخلفية، بل كان تجسيداً حياً لـ"الضمير الجمعي"، وآلة صوتية معقدة حوَّلت المسرح إلى مختبر وجداني عظيم لصهر التناقضات وبناء وعي جمعي جديد. هذا التحول من الصوت كأداة توازن كوني في مصر، إلى الصوت كأداة تساؤل وجودي في اليونان، يمثل نقطة محورية في تاريخ العلاقة بين الصوت والسلطة.


ففي التراجيديا اليونانية، كان الكوروس يتحرك في المسرح ليس كخلفية غنائية تزين الأحداث، بل كفاعل رئيسي في صناعة الدراما وبلورة معناها. في مسرحيات سوفوكليس وإسخيلوس ويوريبيديس، مثل الكوروس صوت المواطن العادي، صوت الحكمة الشعبية المتوارثة، وصوت الأسئلة الوجودية التي لا يجرؤ الفرد على طرحها علناً. عندما كان البطل يترنح عند مفترق طرق بين الإرادة الشخصية والقدر المحتوم، بين القانون البشري والعدالة الإلهية، كان الكوروس يرفع صوته ليسأل: "أين حدود العدالة؟"، "كيف نوازن بين طاعة الحاكم والتمرد على الظلم؟"، "ما ثمن الخيارات الفردية عندما تتصادم مع مصير الجماعة؟". هذا الصوت الجماعي لم يكن يعبر عن إجماع جاهز، بل كان يجسّد الحوار الداخلي للمدينة مع نفسها، الضمير الجمعي الذي يتأرجح بين المبادئ الثابتة والضرورات المتغيرة.


وفي مسرحية "أنتيجون" لسوفوكليس، نرى الكوروس يتأرجح بين تأييد كريون ومخالفته، بين الخوف من الفوضى والتعاطف مع العدالة المطلقة التي تمثلها أنتيجون. كان الكوروس مرآة عاطفية تعكس ارتباك الجمهور وتنقله من متلقٍ سلبي إلى شريك فاعل في الأزمة الأخلاقية. هذا التحول من التلقي إلى المشاركة، من الصمت إلى الحوار، هو ما جعل من المسرح اليوناني فضاءً للتجريب السياسي قبل أن يكون فناً للترفيه. فالكوروس لم يكن يقدم إجابات جاهزة، بل كان يطرح أسئلة تظل تتردد في أذهان المتفرجين بعد  انتهاء العرض.


لكن المسرح لم يكن الشكل الوحيد للصوت الجمعي في اليونان القديمة. فإذا كان المسرح يمثل "الحوكمة الوجدانية المنظمة"، فإن الطقوس الديونيسية كانت تمثل الوجه الآخر للعملة: الانفجار العاطفي الموجّه. في هذه الطقوس، كانت الموسيقى الصاخبة والرقصات الدائرية تذيب الفرد في الجماعة، وتحرره مؤقتاً من قيود العقل والطبقة والجندر. هذه "الفوضى المنظمة" كانت في الحقيقة نظاماً بديلاً، ضرورة نفسية عميقة لاحتواء التوترات المكبوتة داخل المجتمع الإغريقي. كانت الطقوس الديونيسية بمثابة صمام أمان عاطفي يمنع الانفجار الحقيقي في شوارع أثينا، حيث تتحول الطاقة الثورية إلى طقس فني مأساوي.


لم يغب هذا الإدراك العميق لقوة الصوت عن الفلاسفة اليونانيين. فقد رأى فيثاغورس في الموسيقى انعكاساً للتناغم الرياضي للكون، معادلة صوتية تربط بين حركة الكواكب وإيقاع النغمات. بينما ذهب أفلاطون إلى أبعد من ذلك في "الجمهورية"، حيث اعتبر أن الأنغام والإيقاعات قادرة على تشكيل الأخلاق والسياسة. بالنسبة لأفلاطون، كانت الموسيقى أداة حكم لا تقل أهمية عن القوانين، فهي تشكل النفوس من الداخل قبل أن تنظمها القوانين من الخارج. هذا الربط بين الصوت والنظام السياسي، بين الإيقاع والفضيلة، يكشف عن فهم عميق لدور الصوت في تشكيل الذات الجمعية.


عندما نعود إلى ميدان التحرير بعد هذه الرحلة في أعماق الوعي اليوناني، نكتشف أن "الكوروس الثوري" في الميدان لم يكن مجرد مجموعة من الهتافات المتفرقة، بل كان تجسيدا معاصرا لتلك الآلية اليونانية العتيقة. حينما كان الكوروس في المسرح اليوناني يمثل صوت المدينة المتأمل في مصيرها، كان المتظاهرون في التحرير يمثلون صوت الأمة التي تستعيد حوارها مع نفسها. وكانت هتافاته - لم تكن مجرد شعارات سياسية، بل كانت لحظات من "الكاثاريسيس" الجمعي، تطهير عاطفي يشبه ما كان يحدث في المسارح اليونانية. وكما كان الكوروس يتأرجح بين الأمل والخوف، بين التأييد والمعارضة، كان المتظاهرون يعيشون لحظات من الشك واليقين، من الوحدة والتضامن، من الخوف والتحدي.


علمتنا اليونان أن الصوت الجماعي ليس مجرد تعبير عن واقع موجود، بل هو قوة فاعلة في صناعة واقع جديد. وهو الدرس نفسه الذي تعلمناه في التحرير: عندما ترفع الجماهير صوتها في انسجام، فإنها لا تصف العالم فحسب، بل تغيره من جذوره. من مسارح أثينا حيث كان الكوروس يطرح أسئلة الوجود والسياسة، إلى ميدان التحرير حيث كانت الهتافات تعيد تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم، يبقى الصوت الجماعي هو الأداة الأكثر قدماً وجذرية لصناعة الوعي الجمعي. إنه الخيط الناظم الذي يربط بين الحضارات، والوسيلة الأكثر تأثيراً في تشكيل المصير الإنساني عبر العصور.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء