بعد الجريمة الشنعاء غير المسبوقة التي حدثت في مدرسة سيدز الدولية بمدينة العبور، والتي تم فيها اعتداء جنسي ووحشي من جانب أربعة عمال بالمدرسة على خمسة أطفال بدور الحضانة بها ـ ومع أن النيابة قررت حبس المتهمين الأربعة على ذمة التحقيق، وقررت وزارة التربية والتعليم وضع المدرسة تحت الإشراف المالي والإداري ـ ومازالت أحداث هذه الجريمة التي تحدث لأول مرة في مصر بهذه الصورة لأن مرتكبها ليس فردًا واحدًا، كما اعتدنا في مثل هذه الحوادث بل مجموعة أفراد، والمجني عليه ليس طفلا واحدا بل عدة أطفال، ولم يتم الاعتداء عليهم مرة واحدة بل عدة مرات ـ إلا أن هذه الواقعة جعلت الكثيرين منا يسأل نفسه بعقلانية شديدة:
ـ ماذا أفعل لو (لا قدر الله) حدث هذا مع طفلي أو طفلتي في أي مدرسة أو في ناد أو في أي مكان آخر؟ كيف أكتشف ما حدث لطفلي وكيف أجعله يحكي لي تفاصيل ما حدث؟
ـ وما هو التصرف السليم والحكيم في مواجهة هذه الحالة إذا حدثت مع أي طفل لنا لو (لا قدر الله) تعرض للتحرش واكتشفتها أنت أو أنا أو غيري بالصدفة مع طفلنا من خلال أي علامة من العلامات التي قد تكشف عن ذلك؟
ـ هل يكون التصرف بالتكتم على ما حدث؟ أم أعاقب ابني أو ابنتي قبل أن أعرف منها تفاصيل ماحدث لها؟ وفى هذه الحالة قد يخاف الطفل أو الطفل أن يذكر لى الحقيقة وينكرها؟ هل أثور وأغضب وأعاقب طفلي لأنه سمح لهذا المعتدى أن يهتك عرضه بهذه الصورة؟ أم أذهب للمدرسة ثائرا غاضبا بهدف فضح المدرسة وما يحدث فيها وبالتالي سينال ابني أو ابنتي جزءًا منه هذه الفضيحة أو هذا التشهير؟ أم أكتفي بنقل طفلي أو طفلتي من المدرسة و"أكفى على الخبر ماجور" كما يقول المثل؟
وضعت كل هذه الأسئلة وكل هذه التصورات أمام أحد المتخصصين في علم النفس التربوي لكى يقول لي ولك أولا ما يجب أن نفعله، وكيف نتعامل مع مثل هذه المواقف بشكل عقلاني سليم وبشكل تربوي أيضا وكيف أحصل على حق طفلي أو طفلتي في هذه الواقعة.
يؤكد لي ولك د. عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي، المساعد بكلية الدراسات العليا للتربية جامعة القاهرة محذرا أنه لو حدث وتم وضع أي منا (لا قدر الله) في مثل هذا الموقف المأساوي لا تستهين بشكوى طفلك أو طفلتك وبحالته النفسية بسبب ما حدث له من جرم، وفي نفس الوقت إياك أن تثور وتنزعج لحظة معرفة ذلك منه وتفقد أعصابك ـ بل حاول بكل ما أتاك الله من قوة نفسية أن تحاول أن تكون هادئًا حتى تستمع لطفلك ويحكي لك دون خوف عن تفاصيل كل ما حدث له، ولا تقوم لحظتها بتوبيخ الطفل أو تلومه أو تشعره بالذنب وإلا سيتراجع أن يقول لك الحقيقة ويكتمها في نفسه خوفا منك.
وفي نفس الوقت، إياك أن تتنصل أمام طفلك من المسؤولية إذا ذكر لك تفاصيل ما حدث له أو تهرب أمامه من المواجهة مع كل من كان مسئولا عما حدث لطفلك سواء بفعل مباشر أو تستر عما حدث له أو إهمال أدى إلى حدوث هذه الجريمة لطفلك ـ وإياك أن تتراخى أمام طفلك في تقديم الدعم بكل صوره وأشكاله.
واحذر من أن تفضحه دون قصد وتنشر الخبر للجميع، أو ألا تهتم لرأيه أو الاستماع إليه أو توجهه لسلوكيات غير قانونية أو غير مقبولة للانتقام من الذي فعل معه ذلك ـ أو أن تعايره أو تفكره كل شوية بالكارثة اللي حصلت بعد أن سكت أنت عليها ولم تقم بالمواجهة العقلانية مع كل مسئول عنها.
وإياك أن تؤجل اتخاذ الخطوات اللازمة لاسترداد حقه لأن طفلك سيشعر وقتها بالانكسار عندما يواجه من أجرم معه سواء كان ما حدث في مدرسة أو ناد أو أي مكان آخر، وقد يقرر أنه لن يذهب لهذا المكان مرة أخرى.
وإياك أن تهمل في اللجوء للمتخصصين لطلب المساعدة النفسية والطبية لطفلك حتى يتمكن من تجاوز ما حدث له وإلا ستتحول هذه الجريمة إلى عقدة نفسية له ستؤثر عليه طوال حياته.
وإياك أيضا أن تكبت مشاعره ولا تساعده على التنفيس عنها بحري حتى لا يتسبب هذا الكبت في إضرابات نفسيه للطفل يصعب علاجها بعد ذلك.
واعمل جاهدا على أن تهتم بتهدئة طفلك واحتوائه وطمأنته وتشعره أنك مساند له ولن تترك حقه يضيع، وأنك ستسعى إلى أن يتم توقيع العقاب اللازم على كل من ارتكب أي فعل مشين في حق طفلك في هذا المجال.
ولهذا يجب عليك ـ كما يقول لي ولك د. عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي المساعد بكلية الدراسات العليا للتربية جامعة القاهرة، في مثل هذه الحالات التحكم في مشاعر الغضب والقلق حتى لا ينتقل ذلك للابن.
والبدء فورا في تهدئة الطفل ومساعدته على توصيف المشكلة بشكل صحيح وتحديد الجاني الحقيقي وتخليص الطفل من أي شعور بالذنب أو التقصير أو الدونية، وطمأنة الطفل بأنه سيسترد حقه كاملا والبدء مباشرة في اتخاذ الإجراءات اللازمة مع الحفاظ على سرية الإجراءات قدر الإمكان. والاستماع لمخاوفه باهتمام وعدم الاستهانة بمشاعره أو اتهامه بالمبالغة أو التقصير، والعمل على إظهار الدعم والحب والاهتمام للطفل وإشراكه في الحوار والقرارات التي تتخذ لحل المشكلة لكي يشعر بالسيطرة ويستعيد ثقته بنفسه، واستيضاح التفاصيل بعناية ولطف ورفق، وتوعيته بالخطوات اللازمة للتعامل مع مثل هذه المشكلات وكيفية حماية نفسه. والاستعانة بالمختصين إذا كانت حالته النفسية أو الجسدية تستدعي ذلك.
وأنا من جانبي أقول لك بشيء من التوضيح أنه إذا اكتشفت تعرض طفلك لاعتداء جنسي، فمن المهم أن تتصرف بشكل صحيح وداعم للطفل بأن تستمع إليه باهتمام وتصديق لما يقوله، واجعله يشعر بالأمان والثقة، وحاول أن تظل هادئًا ومتحكمًا في مشاعرك، حتى لا يشعر الطفل بالخوف أو القلق، وقدّم لطفلك الدعم والطمأنة، وأخبره أنه لم يفعل شيئًا خاطئًا من جانبه وأنه ليس وحده، ويجب أن تحصل على مساعدة طبية فورية للطفل لفحصه وتقديم العلاج اللازم. كما يجب أن تبلغ عن الحادث إلى السلطات المعنية، مثل الشرطة أو الهيئات الحكومية المسؤولة عن حماية الأطفال.
وأن تقدم لطفلك الدعم النفسي والعلاج اللازم، لمواجهة الآثار النفسية للحادث.
وأن تحاول أن تحافظ على سرية الحادث، حتى لا يشعر الطفل بالخجل أو الإحراج.
وإذا كان الحادث قد وقع في المدرسة أو مؤسسة أخرى، فيجب أن تتواصل معهم لاتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكرار الحادث.
وأن تقم بمتابعة طفلك وتقديم الرعاية اللازمة له، لضمان أنه يتعافى بشكل جيد من الحادث.
وقانا الله وإياكم شر البلاء.