حين نفتحُ صفحاتِ كتابِ "المصريونَ المُحدَثون: شمائلُهم وعاداتُهم في القرنِ التاسعَ عشر" نجدُ أنفسَنا أمامَ لوحةٍ حيَّةٍ ترسمُ ملامحَ المصريينَ كما رآهم الرحَّالةُ والمستشرقونَ في ذلكَ الزمن. ولعلَّ أكثرَ ما يثيرُ الانتباهَ هو وصفُ الملابس، تلكَ التي لم تكنْ مجردَ سَترٍ للجسد، بل كانت عنوانًا للمكانةِ الاجتماعية، ودليلًا على الانتماءِ الطبقي، ومؤشرًا على المهنةِ أو الحرفة.
يبدأُ بوصفِ السماتِ الجسديةِ للمصريين، مشيرًا إلى أنَّهم يتمتعونَ ببشرةٍ سمراءَ أو حنطية، وشعرٍ مُجعَّدٍ داكن، وعيونٍ سوداء. يلاحظُ الكاتبُ أنَّ المصريينَ عمومًا يتمتعونَ ببنيةٍ قويةٍ وقامةٍ متوسطةٍ في حدودِ 175 سم، مع ميلِ الرجالِ لتركِ اللحية. وأنَّ بعضَهم ينتمي إلى عشائرَ وقبائلَ عربية، مع وجودِ نسبةٍ اختلطتْ بأقباطِ مصر. ويشيرُ أيضًا إلى أهلِ النوبةِ والبعدِ الإفريقيِّ للقطرِ المصري. وهو يصفُهم بالصبرِ والذكاءِ، وبالتزامِهم العميقِ بدينِهم وتقاليدِهم.
ثم ينتقلُ إلى وصفِ الزيِّ التقليدي، ويوضحُ أنَّ زيَّ الرجلِ يختلفُ بناءً على الطبقةِ الاجتماعية. ففي الطبقةِ المتوسطة، يتكوَّنُ الزيُّ من سروالٍ فضفاضٍ مصنوعٍ من القطنِ أو الحرير، وقميصٍ بأكمامٍ طويلةٍ وشريطٍ (حزام)، يعلوه قفطانٌ طويلٌ يصلُ إلى الكاحلين. أمَّا على الرأس، فيضعُ الرجلُ قلنسوةً (عمامة) بيضاءَ أو سوداءَ أو زرقاءَ أو رمادية، حيث يغلبُ على المسلمين ارتداءُ البيضاء، وأتباعُ الدياناتِ الأخرى يلبسون باقي الألوان. وقد يرتدون الطرابيشَ من الجوخِ الأحمر، وخاصةً في الطبقتين العليا والوسطى.
أمَّا الطبقاتُ السفلى والفقيرةُ فترتدي ثوبًا (جلباباً) من ألوانٍ داكنةٍ كالأزرق، وعادةً ما يكونُ من القطنِ الخشن أو الصوف. وغالبًا ما يضعونَ قطعةً من القماش تُلفُّ على شكلِ عمامةٍ على الرأس. والجميعُ لا يرتدي الجواربَ إلا في فصلِ الشتاء. ويشيرُ إحصائيًا إلى أنَّ المسلمينَ يشكِّلون أربعةَ أخماسِ سكانِ القاهرة، وسبعةَ أثمانِ سكانِ القطرِ المصريِّ كلِّه.
أمَّا بالنسبةِ للمرأة، فتلبسُ ثوباً طويلاً فضفاضاً يصلُ إلى الكاحلين، يُعرَفُ باسمِ الثوبِ أو القفطان. هذا الثوبُ يكونُ مصنوعاً من أقمشةٍ مختلفة، حسبَ ثراءِ المرأة، من القطنِ البسيطِ إلى الحريرِ المطرَّز. كما تضعُ المرأةُ على رأسِها منديلاً كبيراً، وتُغطِّي وجهَها ببرقع، وهو قطعةٌ من القماشِ تُغطِّي الوجهَ وتتركُ العينينِ مكشوفتين. ويُعتَبَرُ البرقعُ جزءاً أساسياً من الزيِّ النسائيِّ للخروجِ من المنزل، خاصةً لدى الطبقاتِ الأكثرِ ثراءً. أمَّا الطبقاتُ الفقيرةُ فتكتفي برداءٍ بسيط، وقد لا تُغطِّي وجهَها بالبرقع. ويشيرُ في ملاحظةٍ إلى أنَّ النساءَ يبدأنَ رحلةَ الأمومةِ مبكراً، وتظهرُ عليهنَّ مظاهرُ العجزِ والشيخوخةِ عندما يقتربنَ من سنِّ الأربعين.
أمَّا عن الأحذيةِ والمجوهرات، فيشيرُ إلى أنَّ الأحذيةَ كانت عبارةً عن نعالٍ جلديةٍ بسيطة، تختلفُ في الجودةِ والتصميم. أمَّا المجوهراتُ، فكانت جزءاً مهماً من زينةِ النساء، خاصةً في الطبقاتِ الغنية، حيثُ كنَّ يرتدين أساورَ وخواتمَ وقلاداتٍ مصنوعةً من الذهبِ والفضة، وتُزيَّنُ بقطعٍ من الأحجارِ الكريمة. أمَّا الطبقاتُ الفقيرةُ فتتزيَّنُ ببعضِ المعادنِ الأقلِّ سعراً، وقد ترتدي قرطاً أو خلخالاً في الرجل.
أمَّا الرجالُ فلا يلبسونَ الذهب، ولكن من المعتادِ أن يرتدي الرجلُ خاتماً كبيراً في خنصرِ اليدِ اليمنى، يكونُ من العقيق، وأحياناً يكونُ منقوشاً عليه اسمُه، ويستخدمُه في التوقيعِ على الوثائقِ والمكاتبات. ومن علاماتِ الزينةِ أيضاً: الوشمُ على أذرعِ الرجال، أو ذقونِ السيدات، بالإضافةِ إلى مناطقَ أخرى كجانبي الجبهة مثلاً.
أمَّا في العصرِ الحديث، فقد أحدثت تقنياتُ الاتصالِ والتصنيع تحوُّلاً كبيراً مع الانفتاحِ الثقافيِّ على العالمِ الغربي. فأزياءُ الرجالِ تتميَّزُ بالمرونةِ والتكاملِ الوظيفي، واختفت الأشكالُ والأنماطُ القديمة، وحلَّ محلَّها الزيُّ الغربي، حتى في العديدِ من مناطقِ الريف. ولم يعدْ عيباً أو مستهجَناً ارتداءُ البنطالِ والقميص.
تغيَّرت أيضاً الإكسسواراتُ كثيراً. وبالإضافةِ إلى ذلكَ انتشرت تقنياتٌ رقميةٌ جديدةٌ في بعضِ الملابسِ أيضاً، وإنْ كانت على نطاقٍ ضيِّقٍ لارتفاعِ سعرِها. فحالياً توجدُ ملابسُ مكوَّنةٌ من أقمشةٍ ذكيةٍ تتكيَّفُ مع درجاتِ الحرارةِ المرتفعة، ممَّا يوفرُ الراحةَ في الصيفِ الحار، بينما تُوفِّرُ العزلَ في الليالي الباردة. التصميماتُ عصريةٌ وعمليةٌ في آنٍ واحد، وتتجهُ نحوَ البساطةِ والخطوطِ المحددة.
وباتَ استخدامُ التقنياتِ الحديثةِ في القطعِ الأساسيةِ موجوداً، مثل: الستراتِ متعددةِ الاستخدامات، التي يمكنُ تحويلُها من سترةٍ رياضيةٍ إلى سترةٍ رسميةٍ بلمسةِ زر، والساعاتِ والسراويلِ الذكيةِ التي تتبعُ مستوى النشاطِ البدني. وانتشرت الألوانُ المحايدةُ مثل الرماديِّ والأزرقِ الداكنِ والأبيض، وأصبحت هي السائدة. وظهرت تقاليعُ جديدةٌ مثل ارتداءِ اللونِ الأبيضِ في حفلاتِ الساحلِ الشمالي الغنائيةِ في فصلِ الصيف.
أمَّا أزياءُ النساءِ في عصرِنا الحالي، فأصبحت تعكسُ التوازنَ بين الأناقةِ والراحةِ والاستدامة. وأصبحت التصاميمُ متعدِّدة، منها ما يمكنُ أن يتمَّ من خلالِ تقنياتٍ متطورةٍ كـ «الطباعةِ ثلاثيةِ الأبعاد» (3D Printing) لإنشاءِ قطعٍ فريدةٍ من نوعِها. الفساتينُ تتميَّزُ بقصَّاتٍ هندسيةٍ جريئة، بينما تكتسبُ الملابسُ الفضفاضةُ والطبقاتُ المتعددةُ شعبيةً واسعة.
وأصبح ارتداءُ البنطالِ عادياً للفتاةِ أو السيِّدةِ الكبيرةِ أيضاً، وقلَّ الإقبالُ على الفساتينِ إلا في بيئاتٍ محددةٍ ذات ثقافاتٍ أو خلفياتٍ دينيةٍ واضحة. والمدهشُ أنَّ الأزياءَ لم تقتصرْ على الملابسِ وحسب، بل انتشرت عملياتُ التجميلِ وحقنُ الوجهِ والشفاهِ وباقي أجزاءِ الجسم، أو نحتُه باستخدامِ الليزر. كما انتشرت تقنياتُ التخسيسِ والعملياتُ الجراحيةُ لتكميمِ المعدة، وغيرها، لمحاكاةِ الاتجاهِ العالميِّ الذي يُصوِّرُ المرأةَ العصريةَ شديدةَ النحافة، على عكسِ الصورةِ السابقةِ التي كانت تعتدُّ بسمنةِ المرأةِ كعنصرِ جاذبية.
أمَّا المجوهراتُ في 2025، فتمثِّلُ قمةَ الابتكارِ التكنولوجيِّ والوعيِ البيئي. يركِّزُ المصممونَ على استخدامِ المعادنِ المعادِ تدويرُها، والأحجارِ الكريمةِ المُصنَّعةِ في المختبرات. بالإضافةِ إلى ذلكَ، أصبحتِ المجوهراتُ أكثرَ من مجردِ زينة، بل أصبحت أجهزةً قابلةً للارتداءِ تجمعُ بين الجمالِ والتكنولوجيا.
فنجدُ خواتمَ ذكيةً تُتيحُ الدفعَ الإلكترونيَّ أو التسبيح، وأساورَ وساعاتٍ رقميةً تُراقبُ معدلَ ضرباتِ القلب، وقلاداتٍ تتفاعلُ مع الموسيقى أو الأضواء، أو تتصلُ بالهواتفِ الذكية وسماعاتِ الأذن، لتحقِّقَ لصاحبتِها عزلاً تاماً عن البيئةِ المحيطة، وانتقالاً إلى عالمٍ سحريٍّ من الأغاني والألحانِ والموسيقى.