في سياق الحرب الروسية الأوكرانية، تأتي الخطة الأمريكية المعدلة كآخر محاولة غربية لإيجاد مخرج سياسي للنزاع، بعد أن واجهت الخطة الأوروبية رفضاً روسياً حاسماً، ورفضاً جزئياً أو تحفظاً أوكرانياً على بعض البنود، الخطة الأصلية الأمريكية كانت تتألف من 28 بنداً، تضمنت اعترافاً ضمنياً بسيطرة روسيا على بعض الأراضي، تحديد حجم الجيش الأوكراني، تقييد قدرات أوكرانيا الدفاعية وربط مستقبلها خارج الناتو، وإجراءات اقتصادية محددة، لكنها أثارت اعتراضات قوية من كييف وحلفائها الأوروبيين، ما دفعهم لإعادة صياغتها لتصبح 19 بنداً، مع التركيز على المرونة، وتخفيف البنود الأكثر حساسية، وتعزيز الحوافز الاقتصادية، وإعطاء الانطباع بأن الخطة قابلة للتفاوض وليس فرضها بالقوة.
تم تعديل البنود الأكثر إثارة للجدل بحيث لم تعد تفرض سقفاً محدداً للجيش الأوكراني أو تقيد عضويتها المستقبلية في حلف الناتو بشكل صارم، كما ركزت النسخة الجديدة على الحوافز الاقتصادية بما في ذلك استخدام أصول روسية مجمدة لتمويل إعادة الإعمار، وتشجيع شراكات اقتصادية طويلة الأمد، في محاولة لربط السلام بالمصالح العملية للطرفين، دون المساس المباشر بسيادة أوكرانيا أو قدراتها الدفاعية.
التعديل جاء نتيجة تضافر الضغوط الداخلية والخارجية. أوكرانيا رفضت أي بند يمس سيادتها أو يقلص قدراتها الدفاعية، مؤكدة أن أي تسوية يجب أن تحترم استقلالها ووحدة أراضيها، الحلفاء الأوروبيون اعترضوا على أي تنازل عن الأراضي الأوكرانية، خوفاً من مكافأة العدوان وتهديد الأمن الأوروبي طويل المدى، أما الولايات المتحدة نفسها واجهت انتقادات داخلية من الكونجرس، ما دفعها إلى تبني صيغة أكثر مرونة يمكن أن تقبلها كييف وحلفاؤها، مع الحفاظ على الضغط على موسكو.
رغم التعديلات، بقيت هناك نقاط خلافية حرجة: الاعتراف بالسيطرة الروسية على دونباس والقرم، الضمانات الأمنية لأوكرانيا، ومستقبل عضويتها في الناتو، هذه البنود تمثل خطوطاً حمراء للقيادة الأوكرانية، بينما تعتبر موسكو أن أي اتفاق لا يعترف بالواقع الذي فرضته الحرب على الأرض غير مقبول، كما أن آليات الرقابة والضمان التي تقترحها الخطة، مثل بعثات دولية لمراقبة الحدود وحركة القوات الروسية، تُعد تدخلاً مباشراً في شؤونها السيادية من وجهة نظر موسكو.
تتعامل موسكو مع كل هذه المبادرات بحذر شديد، معتبرة أن الخطة الأوروبية والأمريكية الأصلية تعكس رؤية أحادية لا تراعي مصالحها الاستراتيجية، من منظور الكرملين، الأزمة الحالية هي معركة وجودية مرتبطة بمستقبل روسيا وأمنها، وأي تسوية يجب أن تضمن عدم توسع الناتو عند حدودها الغربية، وهو الشرط الأساسي الذي تعتبره روسيا جوهر أي حل حقيقي، كما ترى القيادة الروسية أن الأراضي التي سيطرت عليها أصبحت جزءاً من الدولة الروسية بإرادة سكانها، وأن أي انسحاب أو تنازل عنها يمثل منطق الهزيمة الذي ترفضه موسكو.
الكرملين ينتقد أيضاً البنود المتعلقة بالرقابة الدولية على قواته، معتبرة أن وضع أمن روسيا تحت إشراف لجان غربية يشكل وصاية لا يمكن قبولها، إضافة إلى ذلك، تعتبر موسكو أن الطريقة التي أُعدت بها الخطة الأوروبية، من دون مشاركة روسيا أو حتى التشاور معها، تجعل المبادرة غير شرعية سياسياً، لأنها تقدم رؤية أحادية لا تراعي مصالح الطرف الآخر، روسيا تقرأ مبادرة السلام الأوروبية على أنها محاولة لتجميد الصراع بشكل مؤقت، لإعادة تسليح أوكرانيا ودعمها بالغربيين، وليس لحل جذري، ما يجعل قبولها لأي خطة مشروطاً بضمان الاعتراف بمكاسبها العسكرية والأمنية، وضمان عدم توسع النفوذ الغربي عند حدودها.
الخطة الأمريكية المعدلة تعكس مرونة أكبر مقارنة بالنسخة الأصلية، وقد توفر أرضية تفاوضية لتقليص حدة الصراع، لكنها لا تقدم ضمانات كافية لسلام مستدام. موسكو لا تزال متمسكة بموقفها من السيادة والاعتراف بالمكاسب الإقليمية، وأوكرانيا ترفض أي تنازل عن أراضيها أو قدراتها الدفاعية، والولايات المتحدة تتعامل مع الخطة كأداة ضغط سياسي أكثر منها مساراً لإنهاء الحرب. نجاح أي تسوية يعتمد على قدرة الأطراف على التفاوض حول البنود الخلافية وتوفير آليات شفافة وملزمة للضمانات الأمنية، مع احترام سيادة أوكرانيا واعتراف موسكو بالواقع الاستراتيجي الذي فرضته الحرب. وحتى الآن، يبدو الطريق نحو سلام فعلي مستدام بعيداً ومعقداً، ويحتاج إلى توافق سياسي ودبلوماسي يفوق ما تم تحقيقه حتى الآن، بحيث لا تتحول أي اتفاقية محتملة إلى هدنة مؤقتة فقط.
ومازالت أري أنه في حال فشل الخطة الأمريكية المعدلة، لا يعني ذلك بالضرورة انزلاق الأزمة إلى مواجهة مباشرة بين روسيا والولايات المتحدة، فالأمر يبقى محدوداً ضمن أطر النزاع الروسي–الأوكراني الإقليمي، سيستمر القتال على الأرض بين موسكو وكييف، مع استمرار الدعم الغربي لأوكرانيا، لكن روسيا لن تواجه واشنطن بشكل مباشر، لأن الأطراف الغربية تدرك أن أي مواجهة مباشرة ستكون مكلفة للغاية وربما كارثية. وبالتالي، من المرجح أن يبقى الوضع على ما هو عليه: حرب مستمرة في أوكرانيا مع تجاذبات دبلوماسية وسياسية، محاولات تفاوضية متقطعة، وضغوط اقتصادية على روسيا، دون أن يتحول النزاع إلى مواجهة شاملة بين القوى العظمى.