رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في اللحظة التي يتحول فيها الإعلام من ناقل للأخبار إلى مفسر للوقائع، ومن مُعلق على الأحداث إلى كاشف عن خلفياتها، فإنه لا يؤدي وظيفته فحسب، بل يقدم خدمة جليلة للوعي الإنساني.. خدمة اسمها - في تصوري - "متعة الفهم".

في عالمنا هذا، هناك قضايا كثيرة تحتاج إلى الوصول بالمتلقي إلى متعة الفهم، ذات صلة بالعلوم والابتكارات، والجيولوجيا، والفضاء، والتخاطر، والباراسيكولوجيا، والعلوم الطاقية... إلخ.

نعم.. متعة الفهم! تلك اللذة الذهنية التي تنتاب العقل عندما تنتقل به من حيرة التساؤل إلى وضوح الرؤية، عندما يتحرك من ظلام التخبط بين عدة سيناريوهات للحقيقة إلى نور المعنى الحقيقي.. إنها المتعة التي أرى أن البعض يفتقدها في زمن الفيض الإعلامي اللاهث نحو الإعلانات والربحية التي لا تضع في الحسبان الاحتياجات المعنوية والمعرفية والثقافية لإنسان هذا العصر المثقل بالقلق بسبب الحوارات الساخنة المرتبطة بالمصالح بين الدول العظمى!

إننا نرى كثيرًا من الإجابات الافتراضية المفتعلة قد تكاثرت قبل اكتمال الأسئلة، والطامة الكبرى قد تكون إجابات على أسئلة لم توجد أصلاً حول موضوعات متوهمة لا تقدم ولا تؤخر في المجتمع الإنساني.. فنجد التحليلات السريعة كالوجبات الجاهزة قد تهافتت، لنجد أنفسنا وقد شبعنا معلومات وجُعنا فهمًا!

كأن تجد تعليقات حول وفاة فنان كبير، وليس هناك ما يؤكد وفاته، وهناك قريبون ومقربون من هذا الفنان ينفون هذا الخبر.. ومع ذلك، تستمر التعليقات! إنها الشائعات يا عزيزي! حتى الآن تجد لها سوقًا رائجة في هذا العالم المثخن بالتحديات.

من الضروري في مجال الإعلام أن نعمل بشكل موسع على دراسة عملية التلقي الجماهيري وعوامل إنجاحها، وكيف نتجنب أسباب الفشل.

إن مهمة الإعلام الناجح في عالمنا اليوم أشبه بعملية إنقاذ.. إنقاذ للعقل الإنساني الجمعي من براثن الالتباس والغموض وتعدد الإجابات، مهمته أيضًا تحرير العقول من أسر التعميم. إنها مهمة لا تقل صعوبة عن مهمة المستكشف في غابة كثيفة، عليه أن يقطع الطريق بين الكثافة ليكشف المعالم والاتجاهات.

لقد أصبح العالم من حولنا أكثر تعقيدًا، وبلغ العلم آفاقًا فوق التصورات، والأحداث لم تعد تحمل وجوهًا واحدة، والحقائق صارت متعددة الزوايا، والذكاء الاصطناعي يقفز قفزات سريعة!

أجدني أكثر من مرة أتابع فيلمًا وأنا أتشكك في محتواه وصوره، بسبب الإفراط في استخدام الذكاء الاصطناعي (AI).. أرى أن إصابة المتلقي بالتشكك في مصداقية ما يقرأ، وما يسمعه أو ما تراه عينه، من أخطر أمراض العقل البشري اليوم.

ومن هنا، في هذا المشهد المتشابك، لم يعد يكفي أن نقدم للجمهور "ماذا حدث؟"، بل الأهم وفقًا لتصوري الشخصي: لماذا حدث؟ وكيف؟ وما الذي يعنيه؟ وكيف نحافظ على هويتنا وخصوصيتنا دون أن ننفصل عن العالم؟ وما الذي قد يؤدي إليه أي حدث على كل الأصعدة؟ ونحاول إقناعه بشفافية أن الصور حقيقية!

الجمهور اليوم يتعطش لكل جديد، وللمعنى، وللحقائق، وقد يكون أكثر من تعطشه للمعلومة. المعلومة أصبحت متوفرة نظرًا لكثرة النوافذ الإلكترونية، لكن المعنى المساعد على الفهم أصبح أغلى وأندر، المعنى - أيها السادة - لا يولد من فراغ، إنه نتاج عملية فهم عميق، عملية تفكيك للحدث، ووصل للعلاقات الخفية، واستشراف للآتي من خلال فهم القوانين التي تحكم مسيرة التاريخ والمجتمعات.

الإعلام حينما يتوسع في تناول مثل هذه الأمور يزيد من متعة الوعي والفهم. ولنا أن نجرب نسبة المشاهدة ونسبة الإقبال الجماهيري على مفكر أو فنان أو نجم رياضي أو سياسي في حوار حول "ما وراء الكواليس"، أو ما يمكن أن نسميه بـ "المسكوت عنه"..  فهذا المسكوت عنه الذي كان وراء إتمام الإنجاز لا يقل - إعلاميًا - عن الإنجاز نفسه.

ولا نغفل أن هذا المسكوت عنه له مستويات، يمكن تناول بعضها دون البعض الآخر، وعلينا أن نصنع السياق الذي يجذب المتلقي ليحقق لذاته متعة الفهم ولذة الوعي وكأنه مشارك في الإنجاز.

إن عظمة الإعلام في مراحله الذهبية كانت تكمن في هذه القدرة على صنع السياق، كان القارئ أو المستمع أو المشاهد يشعر أنه يشارك في رحلة فكرية، ينتقل فيها من سطح الخبر إلى أعماقه، فيرى الخريطة كاملة، ويفهم كيف تترابط الأجزاء، فيشعر بلذة الاكتشاف والفهم.

اليوم، وفي خضم معركة "اللايكات" على مستوى التلقي العالمي، والمشاهدات السريعة على المستوى الإنساني، تخلى كثيرون عن هذه المهمة النبيلة، أصبح الهم الأكبر هو السباق وراء "التريند" و"الهاشتاج"، ففقد الإعلام بريقه، وفقد الجمهور متعته.

ولكن الأمل لا يزال قائمًا. فما زال هناك من يؤمن بأن للإعلام رسالة، وأن للكلمة قيمة، وأن للعقل كرامة. ما زال هناك من يرفض أن يكون الإعلام مجرد "ناقل أخبار"، ويسعى لأن يكون "صانع وعي".

إن العمل على إعادة متعة الفهم للوعي الإنساني مهمة شاقة، لكنها ليست مستحيلة، وهي تتطلب إعلامًا شجاعًا، لا يخاف أو يهاب أن يخوض في التعقيد، ولا يتردد في طرح الأسئلة الصعبة، إعلامًا يؤمن بأن جمهوره أذكى مما يتصور البعض، وأن العقل الجمعي قادر على استيعاب أعقد القضايا إذا قُدمت له بطريقة واضحة وعميقة في الوقت نفسه.

في النهاية، كلنا ينشد النجاح للإعلام في كل مكان في العالم. الإعلام الناجح ليس الذي يملأ الفراغ بضوضاء أو إثارة، بل الذي يملأ العقول بضياء نور المعرفة، وشعاع الفهم، ودفء الحكمة. عندها فقط، نستعيد تلك المتعة الغالية؛ متعة أن نفهم.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء