أحمد ميزاب: حلف "مصر- الجزائر" بداية لحل أزمات المنطقة وأفريقيا|حوار
تشهد العلاقات بين مصر والجزائر في الفترة الأخيرة تقاربًا ملحوظًا، مدفوع بتنسيق سياسي رفيع المستوى، وشراكات اقتصادية واسعة، ومواقف موحدة تجاه القضايا الإقليمية والدولية.
وشهدت العلاقات زخمًا كبيرًا في الفترة الأخيرة، بعد انعقاد الدورة التاسعة للجنة العليا المشتركة بين البلدين في القاهرة، وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والوزير الأول الجزائري سيفي غريب وجود توافق كامل في الرؤى والمواقف، وهو ما يمثل توجهًا استراتيجيًا لمواجهة التحديات المتسارعة في المنطقة، كما أشاد رئيس الوفد البرلماني الجزائري بالتعاون مع مصر، واصفًا العلاقات بأنها شهدت تطورًا كبيرًا.
وفي حوار مع "إيجبتك"، يرى الدكتور أحمد ميزاب، الخبير الأمني والسياسي الجزائري، أن التقارب والتنسيق بين البلدين ضرورة للاستقرار الإقليمي، مؤكدًا أن تعاونهما سيكون بداية لحل مشاكل المنطقة ومنها ليبيا والسودان وباقي مشاكل القارة.. وإلى نص الحوار:
كيف ترى التقارب المصري الجزائري الأخير؟
التقارب بين القاهرة والجزائر يأخذ شكلاً واضحاً ويعتمد على إرادة سياسية مباشرة.. أنت تلاحظ أن البلدين انتقلا من لغة المجاملات إلى خطوات عملية.. الاجتماعات رفيعة المستوى تحولت إلى لجنة مشتركة تعمل ببرنامج محدد.
هذا التقارب يفتح بابًا لحوار أعمق بين مؤسسات الدولتين.. الملف الاقتصادي أخذ حيزًا مهمًا، وهناك رغبة في رفع التبادل التجاري إلى مستوى يليق بحجم الاقتصادين. هناك أيضًا اهتمام بملف الطاقة والتحول الصناعي.
الجزائر تريد الاستفادة من خبرة مصر في البنى التحتية والتشييد.. ومصر تريد تعزيز حضورها في السوق المغاربية من خلال شراكات طويلة الأمد.
التقارب يحمل بعداً أمنياً أيضاً.. الطرفان يدركان أن أي اختلال بين شرق وشمال أفريقيا ينعكس مباشرة على أمنهما.. لذلك التنسيق اليوم يقوم على قاعدة أن الاستقرار الإقليمي لم يعد مسألة ثانوية بل ضرورة.. هذا ما يجعل الحوار بين القاهرة والجزائر أكثر واقعية وأكثر ارتباطاً بالميدان.
كيف سيؤثر هذا التقارب على حل الملفات في أفريقيا؟
التأثير يكون من زاويتين، الزاوية الأولى تتعلق بالوزن السياسي.. حين تعمل القاهرة والجزائر بلهجة واحدة يتراجع التشتت الإقليمي.
الاتحاد الأفريقي يحتاج دائماً إلى دول ذات ثقل لإسناد مبادراته. التنسيق يوفر غطاءً أفريقيًا يقوم على مقاربة جوار لا على مقاربة خارجية. أنت تعرف أن الكثير من الأزمات الأفريقية تفقد زخمها بسبب غياب دول مركزية تدعم الحلول المطروحة، اليوم هناك فرصة لإعادة ترتيب هذا المشهد.
الزاوية الثانية عملية، فالتعاون يفتح المجال لبناء أدوات تنفيذ. مثلاً آليات مراقبة إقليمية، دعم لوجستي للبعثات الأممية، أو تشكيل مجموعات ضغط على الأطراف التي تمول صراعات داخلية. إذا اتفقت القاهرة والجزائر على فرض خطوط حمراء في ليبيا أو السودان أو منطقة الساحل سيصعب على أي طرف خارجي تجاوزها. هذا لا يعني حل الأزمات فوراً لكنه يخلق ميزان قوى جديداً.
لكن كل هذا يحتاج إلى إرادة تنفيذية.. الاجتماعات وحدها لا تكفي. يجب أن تتحول إلى منصات عمل تضم دبلوماسيين وخبراء أمن واقتصاد. يجب أيضاً أن تكون هناك رؤية مشتركة حول كيفية التعامل مع اللاعبين الخارجيين. أفريقيا اليوم ساحة تنافس دولي. وأي تحرك دون فهم هذا الواقع قد يفقد فاعليته.
هل هذا التعاون يساهم في حل أزمة ليبيا؟
ليبيا تمثل الاختبار الأول لهذا التقارب. الملف معقد لكنه الأقرب للتأثر لأن البلدين يملكان أدوات تأثير داخله. مصر تملك علاقات عميقة مع الشرق الليبي. الجزائر تملك امتداداً مع الغرب والجنوب. هذا يمنح الطرفين قدرة على تقريب المواقف.
هناك نقطة مهمة. البلدين اتفقا على فكرة الحل الليبي بقيادة ليبية. هذا المبدأ يواجه ضغوطاً من قوى خارجية تريد فرض ترتيبات تخدم مصالحها. التنسيق المصري الجزائري يمكن أن يحد من هذا التأثير. حين تتحدث العاصمتان بخطاب واحد يصبح من الصعب تمرير مبادرات تتجاهل الليبيين أو تقصي أطرافاً محورية.
لكن الأزمة تحتاج أكثر من توافق سياسي. تحتاج خطوات على الأرض. أهمها خروج المرتزقة والقوات الأجنبية. تحتاج أيضاً مرجعية دستورية موحدة. مصر والجزائر يمكن أن تقودا مسارات تفاوض بين الفرقاء وتدعما جولات جديدة تركز على الترتيبات الأمنية والانتخابات. لكن هذا يتطلب قراراً سياسياً ليبياً أولاً ثم غطاءً دولياً يضمن عدم تعطيل أي اتفاق.
الدور المصري الجزائري يمكن أن يكون مساهماً رئيسياً. هو ليس العامل الوحيد لكنه من العوامل التي قد تغير ميزان التفاوض.
هل هذا التقارب ينعكس على باقي الملفات في قارة أفريقيا ومنها السودان؟
السودان ملف أكثر تعقيداً.. الصراع فيه ليس فقط بين طرفين بل بين قوى متعددة لها امتدادات خارجية. لكن التقارب بين القاهرة والجزائر يمكن أن يضيف وزناً جديداً للمسار الإقليمي.
مصر تركز على أمن حدودها وحماية منابع النيل. الجزائر تركز على منع تفكك الدولة السودانية ومنع حدوث موجة جديدة من عدم الاستقرار في القرن الأفريقي. هذا يعطي البلدين دوافع مشتركة للعمل على مسار تهدئة، ويمكنهما دعم مبادرات إنسانية وإطلاق قنوات دبلوماسية جديدة وإسناد جهود الاتحاد الأفريقي.
لكن يجب أن نكون واقعيين. السودان يحتاج توافقاً إقليمياً واسعاً. هناك أدوار للسعودية والإمارات وتركيا وإثيوبيا. أي تحرك مصري جزائري يحتاج التنسيق مع هذه الأطراف.
يمكن للبلدين أن يلعبا دور موازن. يمكنهما إعادة طرح رؤية تركز على وحدة الدولة ومنع تمدد الميليشيات. يمكنهما دعم هدنة أو فتح ممرات آمنة. لكن التأثير الكامل يحتاج إلى وقت وإلى بيئة دولية تتقبل دوراً إقليمياً متوازناً.

