لا شك أن قضية التعليم في مصر قضية قديمة حديثة تتجدد دائما مع كل بداية عام دراسي جديد بالطبع، وعند مقارنة التعليم في مصر ببعض جوانب التجربة اليابانية والتجربة الفنلندية وهما الأشهر والأنجح عالميا، نلاحظ أن مصر قد تبنت بالفعل نموذجًا مستوحى من التجربة اليابانية في مسار تطوير التعليم. فنجد أن التجربة اليابانية في التعليم ومصر قد اعتمدت مصر جزءا من نموذج التعليم الياباني من خلال المدارس المصرية اليابانية، والتي تركز على فلسفة التعليم الشامل لتنمية الطفل.
ففى التجربة اليابانية يتم التركيز على أنشطة التوكاتسو (الأنشطة الخاصة) التي تهدف إلى بناء شخصية متكاملة للطالب، من خلال تنمية
القيم والسلوكيات الإيجابية مثل تحمل المسؤولية، والنظافة، والنظام، والالتزام، والاستقلالية التعاون بدلاً من التنافس السلبي. وفيها يتحول دور المعلم من ملقن إلى ميسِّر للتعلم. فالمميزات كثيرة منها تحسن ملحوظ في سلوك ومستوى الطلاب الأكاديمي، وتنمية المهارات الحياتية.
لكن هناك تحديات بالطبع منها ضغط المنهج الدراسي وعبء الواجبات، قلة عدد المدارس المصرية اليابانية ومحدودية تغطيتها الجغرافية، بالإضافة إلى تحدي ضمان التطبيق الكامل والفعال لأنشطة التوكاتسو في جميع المدارس.
أما عن التجربة الفنلندية في التعليم فحدث ولا حرج
تُعد فنلندا واحدة من أفضل أنظمة التعليم عالمياً، لكن يبدو أن تطبيقها في مصر لم يتم بشكل متكامل على شكل نموذج مدارس مستقل، بل كانت هناك لقاءات وشراكات للاستفادة من الخبرات الفنلندية وتدريب المعلمين. ولعل أهم ما يميز النظام الفنلندي:
تكافؤ الفرص: التعليم مجاني في جميع المراحل (بما في ذلك التعليم العالي)، وتوفير الدعم الخاص المرن للجميع.
جودة المعلمين: المعلمون في فنلندا على درجة عالية من الكفاءة ويحملون عادةً شهادات عليا (ماجستير أو دكتوراه).
قصر يوم الدراسة واللعب: التعليم المبكر يركز على التعلم من خلال اللعب، ولا يُطلب من الأطفال الذهاب للمدرسة قبل سن السادسة (التعليم قبل الابتدائي)، وبدء التعليم الأساسي في سن السابعة.
وعن الاستفادة المصرية من فنلندا نجد أنه كان هناك تركيز على التعاون لتطوير التعليم المصري والاستفادة من خبراتهم، خاصة في مجالات تدريب المعلمين على أحدث طرق التدريس والتقييم، وتحويل نظام التقييم من الحفظ إلى الفهم واكتساب المهارات.
ولا شك أن نظام التعليم المصري يوجه تحدياً كبيراً يتمثل في المنهاج الدراسي المتضخم والكثيف، والذي بدأ تأثيره السلبي يتفاقم بشكل ملحوظ خلال هذا العام الدراسي 2025. و لم يعد التعليم رحلة ممتعة لاستكشاف المعرفة، بل سباق مرهق يهدد صحة الأطفال النفسية والجسدية، ويحتجز طفولتهم بين صفحات الكتب والمذكرات.
ضياع وقت اللعب
العنصر الأكثر تأثراً هو حق الطفل في اللعب والنشاط الحر. في ظل منهج دراسي ضخم يستوجب ساعات طويلة من الدراسة اليومية وحصصاً دراسية مكثفة، يصبح وقت اللعب والنشاط الرياضي أو الفني مجرد ترف لا يمكن تحمله.
ويرى التربويون أن اللعب ليس رفاهية، بل هو الوسيلة الأساسية للنمو العقلي والاجتماعي للأطفال. هو الذي ينمي مهارات حل المشكلات، والإبداع، والتواصل. وعندما يغيب اللعب، يُحرم الطفل من بناء شخصيته بشكل متوازن، ويتحول إلى آلة تتلقى المعلومات، ما يؤدي إلى:
زيادة القلق والتوتر والإحساس بالضغط.
تراجع الدافعية للتعلم، وتحول المدرسة إلى مصدر خوف.
وكذلك ضعف المهارات الحياتية والاجتماعية التي لا يمكن تعلمها من الكتاب المدرسي.
إن عبء التعليم الذى يقع على كاهل الأسرة المصرية لا يتوقف تأثير هذا العبء على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل أولياء الأمور، خاصة الأمهات. مما يُضطر الأهل إلى قضاء ساعات المساء بالكامل في الإشراف على الواجبات المدرسية المكدسة، ومراجعة المنهج الضخم. يتحول المنزل إلى امتداد للفصل الدراسي، ويغيب بسبب الضغوط الكثيرة الحوار الأسري الممتع ليحل محله التركيز على الدرجات والتحصيل في هذا العام بالتحديد (2025)، ومع تحديثات المناهج التي تهدف إلى التطوير لكنها لم تتخلص من حجم المحتوى الكبير، فأصبح الأهل تحت ضغط مضاعف لضمان استيعاب أبنائهم للمادة الدراسية، مما يستهلك طاقة الأسرة ويقلل من جودة الحياة.
ومن هنا كانت الدعوة للتخفيف على أطفالنا
يجب على صانعي القرار أن يعيدوا النظر في فلسفة بناء المناهج فالمطلوب هو الكيف وليس الكم فيجب التخفيف من حجم المحتوى لصالح التركيز على الفهم والمهارات الأساسية.
وكذلك تخصيص وقت إلزامي ضمن الجدول الدراسي للأنشطة واللعب.
إن طفولة أطفالنا ووقتهم الثمين هما الاستثمار الحقيقي لمستقبل الأمة؛ فيجب أن نتيح لهم الفرصة للتنفس واللعب والإبداع، حتى يصبحوا متعلمين شغوفين وأفراداً أسوياء يكونوا مستعدين لقيادة المستقبل القريب.
وعلى وزارة التربية والتعليم عدم تجاهل انتشار الفيروسات هذه الأيام والتي تزداد كلما دخلنا في أيام الشتاء والتزاحم داخل الفصول بالطبع.