هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؟.. حديث شريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسره البعض بأن مغزاه هو أن هؤلاء الضعفاء هم الأكثر لجوءًا إلى الله عز وجل، والذاكرين له، والمبتهلين بالدعاء، ليس لهم من زخارف الدنيا نصيب، ولا لديهم أطماع دنيوية من مال أو شهرة. إنما أقصى غايتهم ومنتهى أملهم هو الستر والأمان.
وهنا أجد نفسي مساقًا دون ترتيب مسبق للحديث عن نوع من الضعفاء الذين يعيشون بيننا ونتعامل معهم يوميًا، ونراهم ويروننا. إنهم هؤلاء الذين اصطلح على تسميتهم مؤخرًا "ذوي الاحتياجات الخاصة" أو "القدرات الخاصة"، بعد عهود طويلة كان المصطلح الذي يُطلق عليهم هو "المعاقون". بينما على المستوى الشخصي، دائمًا أطلق عليهم مصطلح "المنحة الربانية" التي وهبها الله لنا كمجتمع، وأنعم بها على ذويهم خاصة ليكرمهم بهم، ويكونوا طريقهم إلى الفوز في الدنيا والجنة في الآخرة.
وتشير الإحصائيات إلى أن عدد هؤلاء "الملائكة" بيننا بلغ أحد عشر مليونًا في العام الماضي، بما يعادل حوالي 10% من إجمالي تعداد مصر.
الواقع، أن هناك تطورًا غير مسبوق في الاهتمام بهؤلاء الأشخاص في مصر خلال العقود الأخيرة، وتطورًا في مراعاة ظروفهم الخاصة وقوانين وإجراءات تتيح لهم الحصول على مزايا يستحقونها، تحت رعاية وتوجيهات السيد رئيس الجمهورية نفسه.
لكن… وهنا مربط الفرس.
للأسف، بعض هؤلاء الأشخاص ينشأون في بيئات مختلفة، منها ما تخدم ظروفه الاجتماعية، من خلال نشأته في أسرة تتمتع بقدر من الثقافة والعلم، وأيضًا ظروف مالية تسمح بالاهتمام بهذا الشخص وتنمية قدراته اجتماعيًا وتعليميًا ورياضيًا، ودمجه في المجتمع، فيبزغ منهم الرياضي الفذ والفنان الحساس. إلا أن البعض الآخر، نتيجة ظروف اجتماعية معاكسة، لا يجد نفس الفرصة، وبالتالي يبقى على ما هو عليه دون تنمية أو اهتمام.
وإذا كانت الدولة قد تنبهت لهذا الأمر، ففتحت الفرص كي يستفيد هؤلاء من الممكنات المتاحة، إلا أن البعض له وجهة نظر أخرى.
أتحدث على سبيل المثال لا الحصر عن عذاب أولياء أمور هؤلاء الضعفاء عند إجراء كشف طبي معين في مستشفيات معينة للحصول على تقرير طبي مطلوب لجهة معينة، وكيف أن بعض المستشفيات تُحدد موعدًا للكشف في الصباح بينما لا يحضر الطبيب إلا بعد أربع أو خمس ساعات، ما يسبب توترًا لذوي الاحتياجات وإرهاقًا لولي الأمر.. الأمر الآخر في بعض مكاتب وزارة التضامن الاجتماعي – وليس جميعها بالطبع – حيث نجد موظفًا أو موظفة يفتقدون لأبسط قواعد الإنسانية في التعامل مع أولياء أمور تلك الحالات.. الأمر الذي يتطلب إعادة تأهيل لهؤلاء العاملين أو تخصيص مكاتب خاصة لخدمة هذه الفئة تتفهم طبيعتها وتراعي ظروفها.
لكن الأهم من ذلك والأخطر، الذي آن الأوان للحديث عنه بشفافية، هو امتهان البعض لمهنة التكسب والتربح والحصول على مزايا معينة من خلال إنشاء جمعيات أو كيانات ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، يتم جمع بطاقات وشهادات ميلاد هؤلاء الأشخاص لجمع تبرعات باسمهم أو إقامة فعاليات ومهرجانات توزع فيها الحلويات وبعض الهدايا الرمزية، بينما تتحصل بعض تلك الجمعيات والكيانات على مغانم ضخمة.
إذا انتقلنا إلى فئة أخرى من هوانم المجتمع راغبي الشهرة والظهور، وأصحاب التطلع إلى مناصب وسفريات على درجة رجال الأعمال وبدلات سفر وعطايا وعلاقات، فحدث ولا حرج، والمشكلة الأكبر أن هؤلاء، الذين أتحدث عنهم، لديهم أنصارهم من أولياء أمور تلك الفئة من ذوي الاحتياجات، الذين يشكلون ما يشبه اللجان الإلكترونية، مدحًا وشكرًا فيمن يستغلون أبناءهم وبناتهم، ويبزغ نجمهم على حساب رعايتهم.. لذا، إذا تتبعنا الفعاليات المختلفة التي تُقام بين الحين والآخر، سنجد نفس الوجوه تتكرر في كل فعالية واحتفال، وكأن ذوي الاحتياجات في مصر هم هؤلاء المئات فقط، وليس أحد عشر مليونًا.
يا سادة، إنهم جميعًا أبناء مصر، أتاحوا الفرصة للجميع من أبعد قرية في جنوب أسوان حتى الإسكندرية ومرسى مطروح وسيناء والسلوم.
يا سادة، تنحوا جانبًا، وافتحوا المجال لشباب متخصص من الأخصائيين الاجتماعيين الدارسين وكذلك التربويين المتخصصين في تقديم الرعاية والدعم لهؤلاء الأشخاص بعيدًا عن ضوء الحفلات وشو المهرجانات، وبدل السفريات، وقبول الدعوات والتكريمات.
الذين يستحقون التكريم الفعلي هم أمهات هذه الفئة وذويهم الذين ضحوا بالغالي والنفيس والصحة والوقت من أجل تنمية أبنائهم ورفع مستواهم ودعمهم نفسيًا، فلا يشعرون بالغربة في المجتمع أو الإحساس بأنهم فئة ثانية.
إذا أردنا الرحمة من رب رحيم، فلنكن رحماء بهؤلاء وذويهم. ومن يتطوع لخدمتهم فليكن لوجه الله تعالى، وليس لعضوية لجنة أو رئاسة مؤتمر أو خوض انتخابات أو عضوية برلمان أو تولي حقيبة وزارية.
الرحماء يرحمهم الله، وما أحوجنا جميعًا إلى رحمته وعفوه وكرمه.
وأختتم من حيث بدأت.. بهؤلاء الضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة، يرحمنا الله، وبهم يرزقنا الله، وبهم ينصرنا الله.