رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في كواليس المطبخ الصحفي، تُعد بعض الأخبار ضمن الركائز الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها في أي موقع يسعى لتحقيق معدلات قراءة مرتفعة ويقدم خدمات متكاملة لقرائه وفي مقدمتها "النشرة الجوية" كونها من أكثر المواد الصحفية متابعة واهتمامًا من الجمهور، ولأنها ترتبط مباشرة بحياة الناس اليومية، وتؤثر في قراراتهم، وتغير خططهم، وقد تكون سبباً في بقاء الكثيرين داخل منازلهم أو تغيير أنماط نشاطهم اليومي.


فهذه النشرة التي تبدو بسيطة على الشاشة أو في المواقع الإخبارية، يقف خلفها فرق من العلماء والخبراء المتخصصين في علوم الطقس والمناخ، وحركة السحب والظواهر الجوية وهي التخصصات التي نسلط عليها الضوء في هذه الحلقة من سلسلة "قوة مصر العلمية".
 

تعود جذور العمل المنظم للأرصاد الجوية المصرية إلى أوائل القرن التاسع عشر، حين بدأت أولى قياسات درجات الحرارة بشكل منتظم عام 1829 في عهد محمد علي باشا، وفي 28 أبريل 1952 تأسست  "مصلحة الأرصاد الجوية"  رسمياً، قبل أن تتحول إلى  "هيئة عامة" بموجب القرار الجمهوري رقم 2934 لسنة 1971، لتصبح الجهة الوطنية الرسمية المعنية بعلوم الطقس والمناخ وتتبع وزارة الطيران المدني. 

ويعمل بالهيئة نحو ألف خبير وفني في تخصصات متعددة تشمل التنبؤ الجوي والرصد السطحي ورصد طبقات الجو العليا، وتحليل المناخ، وصيانة أجهزة القياس والرادارات، إضافة إلى فرق بحث وتطوير تُسهم في تحديث النماذج العددية وتطوير منظومة التنبؤات الحديثة.


تقدم الهيئة العامة للأرصاد الجوية خدمات واسعة تتنوع بين التوعية المباشرة للجمهور، والخدمات المتخصصة للقطاعات الحيوية، التي تُسهم بصورة غير مباشرة في حماية الأرواح ودعم القرارات الاقتصادية.


وتعد الخدمات الإعلامية المباشرة هي الأكثر التصاقاً بالجمهور وتشمل:
"النشرات اليومية" التي تتضمن توقعات لحالة الطقس لعدة أيام، مع عرض درجات الحرارة، وحالة الرياح، والرطوبة ثم "التحذيرات الجوية العاجلة" عند رصد ظواهر خطرة مثل السيول والأمطار الغزيرة والعواصف الترابية والشبورة الكثيفة والموجات الحارة أو الباردة.


ويتحمل العاملين في هيئة الأرصاد الجوية مسئولية الظهور الإعلامي لتقديم الشرح والتحليل عبر القنوات التلفزيونية والإذاعية ومنصات الأخبار بمسئولية مجتمعية ملفتة.


وتعد الهيئة المزود الرسمي لكافة معلومات الطقس الخاصة بقطاع الطيران المدني والعسكري، وهو دور لا غنى عنه لضمان سلامة الرحلات و توفير بيانات الرؤية وارتفاعات السحب وسرعة الرياح داخل المطارات وعلى الممرات الجوية وتقدم نشرات متخصصة لحركة الملاحة البحرية في البحرين الأحمر والمتوسط وقناة السويس، تشمل ارتفاع الأمواج وحالة الرياح.


وتعتمد قطاعات اقتصادية وخدمية كثيرة على بيانات الهيئة منها الزراعة، حيث تقدم  توصيات بمواعيد الزراعة والحصاد، والتحذير من موجات الصقيع أو الحرارة إلى جانب الري والموارد المائية، وتقديرات الأمطار والسيول وتوظيفها في إدارة الموارد المائية أيضا قطاع السياحة يستفيد من توقعات النشرات الجوية للمناطق الساحلية والصحراوية حتى تتمكن  الشركات من التخطيط للرحلات، كما يستفيد قطاع الإنشاءات من بيانات الهيئة عند تصميم المباني لتفادي سرعات الرياح القصوى.


وحتى تتمكن الهيئة من أداء عملها فتقوم بتوفير سجلات مناخية تاريخية تُعد مرجعاً أساسياً للباحثين والجهات الحكومية والجامعات، وتدخل في دراسات البيئة والتخطيط العمراني.


وتُعد النشرات الصادرة عن الهيئة العامة للأرصاد الجوية هي العمود الفقري لحركة الطيران في مصر، إذ تلتزم الدولة بالمعايير التي تضعها منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO)، لضمان أعلى مستويات السلامة.
 

وتعتمد شركات الطيران بشكل كامل على بيانات الهيئة لتجنب الظواهر الخطرة، مثل الاضطرابات الجوية كالتجلد على أجنحة الطائرات و العواصف الرعدية و الرياح القصية إلى جانب حالات تدني الرؤية بسبب الضباب أو العواصف الرملية.


هذه المعلومات تحدد ما إذا كانت الرحلة ستقلع في موعدها أو تتأخر أو تُحوّل إلى مطار بديل.


تسهم معلومات الطقس أيضا في اختيار مسارات الطيران الأكثر توفيراً للوقود وتحديد مواعيد الإقلاع والهبوط و إدارة الحركة الجوية لتجنب الازدحام مع اختيار المدرجات المناسبة بحسب اتجاه الرياح.


ولا يقتصر دور هيئة الأرصاد الجوية على خدمة الملاحة المحلية فقط، بل يمتد إلى منظومة الملاحة البحرية العالمية بوصفها جهة معترفاً بها دولياً في إصدار التنبؤات البحرية، فالممرات الاستراتيجية التي تمر عبر مصروفي مقدمتها قناة السويس تجعل البلاد نقطة محورية في حركة التجارة الدولية، وهو ما يضاعف من أهمية دقة البيانات البحرية التي تقدمها الهيئة المصرية، وتصدر الهيئة نشرات بحرية متخصصة تُستخدم من قبل السفن العابرة للبحر الأحمر والمتوسط، تتضمن ارتفاعات الأمواج وسرعات الرياح فوق المسطحات البحرية، وخرائط لحركة التيارات البحرية التي تساعد السفن على اختيار المسارات الأكثر أماناً.
 

كما تقدم تحذيرات مبكرة بشأن العواصف والأعاصير البحرية وارتفاع الأمواج الشديد، بما يضمن سلامة السفن وحماية حمولاتها.
كما تعمل الهيئة ضمن منظومة تبادل البيانات الدولية التي تشرف عليها المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، ما يجعل البيانات المصرية جزءاً من شبكة عالمية تُسهم في تحقيق انسياب الملاحة وحماية الأرواح والممتلكات عبر البحار والمحيطات.


وبفضل هذه المنظومة الدقيقة، أصبحت نشرات الطقس المصرية مرجعاً مهماً لشركات الشحن العالمية ولقطاع النقل البحري في شرق المتوسط والبحر الأحمر، وسنداً أساسياً لضمان استقرار واحدة من أهم طرق التجارة في العالم كـ قناة السويس.
فالنشرة الجوية التي نسمعها كفقرة لا تتجاوز مدتها 5 دقائق ليست مجرد خبر روتيني ثابت، بل هي منظومة متكاملة من الخدمات العلمية التي تقدمها هيئة الأرصاد لدعم المجتمع وحماية أرواح المواطنين، وضمان كفاءة قطاعات حيوية مثل الطيران والملاحة والزراعة والإنشاءات.
 
وهي في كل ذلك، واحدة من أبرز النماذج التي تُظهر ما تمتلكه مصر من قوة علمية تعمل في صمت، بينما يعتمد عليها الملايين كل يوم دون أن يدركوا حجم الجهد الذي يقف وراء الجملة الشهيرة  "تتوقع هيئة الأرصاد غدا".

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء