انتخابات بلا منافسين: الكاميرون بين صناديق الاقتراع وأزمة الشرعية المتفاقم
في مشهد انتخابي يوحي بالهدوء على السطح، لكنه يعكس في العمق أزمة سياسية متجذرة، شهدت الكاميرون أمس الأحد انتخابات إقليمية جرت في ظل مقاطعة أبرز قوى المعارضة، لتتحول العملية إلى سباق شبه أحادي الطرف لصالح حزب الرئيس بول بيا، الذي يحكم البلاد منذ أكثر من أربعة عقود، وفق وكالة "فرانس برس".
عبر اقتراع غير مباشر
منذ ساعات الصباح الأولى، بدأ أعضاء المجالس البلدية والزعماء التقليديون الإدلاء بأصواتهم لتجديد تركيب المجالس الإقليمية العشرة عبر اقتراع غير مباشر، يشارك فيه نحو 10 آلاف من كبار الناخبين؛ غير أن الأرقام تكشف مبكرًا طبيعة المشهد، إذ إن أكثر من 9 آلاف من هؤلاء ينتمون إلى حزب الحركة الديمقراطية الشعبية الكاميرونية (CPDM) الحاكم، ما جعل ميزان القوى يميل كليًّا لصالح السلطة، وحول النتائج إلى ما يشبه الأمر الواقع أكثر منها منافسة سياسية حقيقية.
انسحاب الجبهة الوطنية للإنقاذ الكاميرونية
تهدف هذه الانتخابات إلى اختيار 900 عضو في المجالس الإقليمية، بواقع 90 عضوًا لكل منطقة، بينهم 70 مندوبًا حزبيًا و20 ممثلًا عن الزعامات التقليدية؛ لكن انسحاب الجبهة الوطنية للإنقاذ الكاميرونية (FSNC) من المشاركة، كواحدة من أبرز قوى المعارضة، أفقد العملية توازنها السياسي، ورسخ صورة انتخابات تجرى في غياب الخصم الفعلي.

الحداد الوطني والأزمة الأخلاقية والسياسية
زعيم المعارضة عيسى تشيروما باكاري، الذي يؤكد أن حزبه هو الفائز الحقيقي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، أعلن أن المشاركة في هذه الانتخابات "غير ممكنة" في ظل ما وصفه بحالة "الحداد الوطني والأزمة الأخلاقية والسياسية" التي تعيشها البلاد، في إشارة إلى رفضه الاعتراف بشرعية التجديد المستمر لبول بيا في الحكم.
احتجاجات وظلال قمع على المشهد الانتخابي
إعادة انتخاب الرئيس بول بيا، البالغ من العمر 92 عامًا، لم تمر هذه المرة بهدوء، فقد شهدت مدن كاميرونية عدة موجة احتجاجات واسعة، رافقتها اتهامات بالتزوير واستخدام مفرط للقوة من قبل السلطات، ما ألقى بظلال ثقيلة على أي استحقاق انتخابي تالٍ.
في هذا السياق المتوتر، أعلنت المتحدثة باسم باكاري، أليس نكوم، عن تنظيم سلسلة جديدة من التحركات الاحتجاجية تحت شعار "مدن الأشباح"، تمتد لثلاثة أيام بدءًا من الأحد المقبل، عبر الدعوة إلى إضرابات وإغلاق للمحال والأنشطة، كوسيلة للضغط والتعبير عن رفض ما تصفه المعارضة بـ"اغتصاب الإرادة الشعبية".
وهكذا، تجري الانتخابات الإقليمية في مناخ سياسي محتقن، تبدو فيه مراكز الاقتراع هادئة، بينما الشارع مشحون بالتوتر والسخط، ما يثير تساؤلات جدية حول مدى شرعية هذه المجالس في عيون جزء معتبر من الرأي العام الكاميروني.

تعددية رقمية وهيمنة فعلية
على الورق، تبدو الانتخابات تنافسية؛ إذ صادقت هيئة الانتخابات "إيليكام" على 75 قائمة مقدمة من تسعة أحزاب سياسية، من بينها: الحركة الديمقراطية الشعبية الكاميرونية (الحزب الحاكم)، الاتحاد الوطني للديمقراطية والتقدم، حزب المصالحة الوطنية، الاتحاد الديمقراطي، الجبهة الوطنية للإنقاذ، اتحاد الحركات الاشتراكية، الجبهة الشعبية للتنمية،كتلة إعادة الإعمار.
ورغم تعدد الأسماء واللافتات، بقي الحزب الحاكم هو اللاعب الأكثر حضورًا ونفوذًا، فهو الحزب الوحيد الذي تقدم بقوائم في جميع المناطق العشر، وهو ما يكرس هيمنته على الخريطة الانتخابية، ويختزل التعددية في شكلها الشكلي أكثر من مضمونها الحقيقي.
يتكرر السيناريو نفسه هذه المرة
التجربة السابقة في انتخابات 2020 الإقليمية تعزز هذه الصورة، إذ فاز حزب الرئيس بتسعة من أصل عشرة مجالس إقليمية، ومن المتوقع أن يتكرر السيناريو نفسه هذه المرة، مع تجديد الثقة في رؤساء المجالس الحاليين لولاية ثانية، في ظل غياب منافسة جدية أو بدائل سياسية قوية.

مجالس بسلطات محدودة ونفوذ مركزي قوي
ففي ظل سيطرة الحزب الحاكم على تشكيل هذه المجالس، تصبح قراراتها ومسارات عملها مرتبطة عمليًّا بتوجهات السلطة في ياوندي، ما يحدّ من استقلالها، ويحصر دورها في تنفيذ سياسات مركزية بدل صياغة رؤى تنموية تنبع من احتياجات كل منطقة على حدة.
أزمة شرعية ممتدة
تجسد هذه الانتخابات، بكل تفاصيلها، أزمة شرعية سياسية تتفاقم في الكاميرون منذ سنوات. فوجود انتخابات متعددة المستويات لا يكفي لتأكيد الطابع الديمقراطي للنظام، ما دامت المنافسة الفعلية غائبة، والمعارضة مقصاة أو مقاطِعة، والاحتجاجات تواجه بالقمع، وصناديق الاقتراع لا تبدو قادرة على إحداث تغيير حقيقي في موازين القوى.

