جلسة لـ مركز باستيت: غموض سوريا بين القبول الدولي ومواجهة الانهيار الداخلي
- الدور التركي في سوريا بين إعادة بناء الجيش واستمرار التوترات والمعضلة الإسرائيلية برفض الخطاب التصالحي واستمرار التوسع
- الوساطة الأمريكية بين التردد وفرض الترتيبات ثلاثية الأطراف والدور الروسى في سوريا بين انحسار النفوذ واستمرار السعي لموطئ قدم
- الأمم المتحدة وسوريا صراع خفي حول شرعية القرار 2254 .. والتمرد يهدد استقرار النظام
- ورطة النظام بإدارة العلاقات الخارجية على حساب القنبلة الداخلية الموقوتة ومخاطر التقسيم الطائفي بالبحث عن الأمان قد يولد كيانات منفصلة
- الصراع السني- السني: الوجه الخفي لأزمة الحكم في سوريا والإخوان المسلمون: لاعب خفي وراء الكواليس في المشهد السوري
- الدور المصري المأمول: دعوات لانخراط أكبر وفهم أعمق للأزمة وحوار جاد لتعديل القرار 2254 أو تجميده
- الخطر الديموغرافي: "ترييف" دمشق واستبدال النخب .. والسيناريو الأسوأ صدام تركي-إسرائيلي على الأرض السورية
عقد مركز باستيت للدراسات السياسية والاستراتيجية برئاسة د. أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة حلقته النقاشية الرابعة تحت عنوان «الوضع الراهن في سوريا.. وآفاق المستقبل».
تأتي هذه الجلسة في إطار سلسلة الحوارات التي يعقدها المركز لبحث ودراسة الأوضاع والتطورات في منطقة الشرق الأوسط، حيث ناقشت جلسته الأولى الأوضاع في فلسطين في أعقاب اتفاق السلام الذي تم برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبإدارة القيادة السياسية المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وأعقب ذلك جلسة موسعة ناقشت الأوضاع في لبنان، مع التأكيد على أهمية تفعيل المبادرة المصرية قياساً على نجاحها وخبراتها المتراكمة في الملف الفلسطيني، كما أعقب ذلك جلسة موسعة حول الأوضاع في السودان والتأكيد على أهمية إيجاد حالة من الحوار السوداني السوداني، التوصل لهدنة في إطار محدد مع تراجع الحلفاء الإقليميين عن مساندة الدعم السريع، وأهمية شروع أمريكا في تصنيفه كمنظمة إرهابية.
وشارك في جلسة «الوضع الراهن في سوريا.. وآفاق المستقبل» متحدث رئيسي هو السفير رمزي عز الدين رمزي، وكيل أول وزارة الخارجية المصرية الأسبق، ونائب المبعوث الأممي السابق لسوريا، وعقب عليه كل من هيثم مناع المفكر والحقوقي السوري عضو الكتلة الوطنية السورية المعارضة، وأيضاً السفير حازم خيرت سفير مصر بسوريا (2003-2007). والأستاذة الدكتورة نيفين مسعد، الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، والباحث أحمد كامل البحيري، بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.
وأدار الجلسة د. أحمد يوسف أحمد، مؤكداً على أن الهدف من هذه الحلقات هو تناول الأوضاع العريسة المأزومة وفهمها ومحاولة استشراف مستقبلها والتوصل إلى أجوبة مقبولة عن أسئلة "ما العمل" في مواجهة هذه الأوضاع غير السوية.
ولا يخفى على أحد أهمية سوريا في السياق العربي عبر التاريخ حتى الآن، ولا تخفى أيضاً أهميتها بالنسبة لمصر وخصوصية العلاقة المصرية السورية. ومعروف أن النظام السوري دخل في سياق ما عرف بثورات الربيع العربي، وأنه تعرض لمحاولات للإطاحة به، وكان بعضها محاولات ذات دوافع داخلية حقيقية، وبعضها محاولات للتدخل الخارجى والمهم أن النظام السوري نجح في الحفاظ على بقائه بالاستعانة بحليفيه إيران وروسيا، حتى تم إسقاط النظام في ديسمبر 2024. والمفارقة كما نعلم أن إسقاط النظام تم على أيدي فصائل لها تاريخ في التصنيف كمنظمات إرهابية وعندما وصلت القيادة الجديدة إلى الحكم تبنت خطاباً تصالحياً في الداخل والخارج بشكل يخالف ميراثها السابق.
لكن المفارقة أنه على الصعيد الداخلي لم يكن هناك التزام من الفصائل التي كونت التحالف الذي أسقط نظام بشار الأسد، وبالتالي حدث ما شهدناه جميعاً من ممارسات وصدامات ومذابح وما إلى ذلك. والمشكلة الثانية أن إسرائيل لم تصدق هذا الخطاب التصالحى الجديد، وبالتالي فعلت ما فعلته بإسقاط اتفاقية 1974 وزيادة تغلغلها في الأراضي السورية وتدمير الجيش السوري، ثم التدخل السافر في الشأن الداخلي السوري بدعوى حماية بعض الأقليات. ومع ذلك فمن الواضح أن النظام الحالي اكتسب بسلاسة لافتة قبولاً عربياً وإقليمياً ودولياً، ولعل آخر مؤشراته كانت الزيارة الأخيرة للرئيس السوري إلى الولايات المتحدة الأمريكية وملابساتها.
السفير رمزي عز الدين رمزي
الغموض هو السمة الغالبة للوضع السوري داخلياً وخارجيا
قرار دولي وإقليمي واضح بدعم النظام الحالي لتحقيق الاستقرار
الدعم الخليجي (السعودي تحديداً) قوي سياسياً ولكنه ضعيف فعلياً واستثمارياً
ضرورة حوار جاد لتعديل القرار الدولي 2254 بما يتوافق مع المصالح المشتركة
النظام يركز على تحسين علاقاته الخارجية على حساب إدارة الملف الداخلي المعقد.
وعبَّر السفير رمزي عز الدين رمزي، وكيل أول وزارة الخارجية المصرية الأسبق، ونائب المبعوث الأممي السابق لسوريا، عن تقديره الكامل لدعوة مركز باستيت للمشاركة في هذه الجلسة الهامة.
وأشار إلى أنه يود التركيز على الوضع الحالي في سوريا، وبشكل خاص على الوضع الإقليمي والدولي، وعلاقات سوريا الإقليمية والدولية. وتوقع أن يتناول الأستاذ هيثم مناع الوضع الداخلي أثناء تعقيبه، خاصةً أنه في وضع أفضل بكثير للتطرق للشأن الداخلي.موضحًا أن أفضل وصف للوضع في سوريا، داخليًا أو خارجيًا، هو "الغموض"، قائلًا"ليس هناك وضوحً بالنسبة لما يحدث داخليًا أو خارجيًا، لكن هناك شيء واضح فيما يخص الموقف الدولي والإقليمي من سوريا."
وأضاف أن هذا الأمر يشترك فيه كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا، متابعا:"ورغم وجود تحفظات كثيرة على الحكم في سوريا وأدائه – وهو أمر مفهوم في المراحل الانتقالية – إلا أن هناك قرارًا واضحًا بضرورة تأييد النظام ومساعدته لتجاوز الأزمة وتحقيق الاستقرار، وذلك لاعتبارات إقليمية ودولية".
وأعرب عن اعتقاده أن المملكة العربية السعودية هي أكبر مؤيد للوضع في سوريا بشكل قاطع، بينما كانت قطر المساند الأكبر في بداية حكم النظام الحالي، لكن الواضح اليوم أن السعودية هي الداعم الرئيسي لاستقرار سوريا، كما ظهر جليًا عندما استقبل الرئيس الأمريكي الرئيس السوري بناء على طلب من ولي العهد السعودي وبالتالي، تلعب السعودية دورًا مهمًا، وبتقديره أنها تسعى لتحقيق الاستقرار في سوريا رغم تحفظاتها، وهو موقف تنتهجه قطر أيضًا وإن كان بنسبة أقل، وتليهما الإمارات .. واللافت في ذلك كله التصريحات الإيجابية المؤيدة لدمشق، والتي يبدو – بحسب معلوماته – أنها مجرد إعلان نوايا طيبة، فعمليًا لم يُضخ استثمارات تذكر، وأقل إجراء يمكن أن تتخذه الدول الخليجية هو وضع ودائع في البنوك، وهو ما لم يحدث وبالتالي، تظل المساعدة محدودة للغاية، وأبرز مثال على ذلك الالتزام بدفع مرتبات موظفي الدولة حتى نهاية العام، ولكن من خلال برنامج الأمم المتحدة للتنمية وليس بشكل مباشر، وهو أمر ملفت. كما أشار إلى وجود اتفاق بشأن ميناء دبي وميناء طرطوس، لكنه لا يعرف مدى تنفيذه.
وأضاف:"أما الوضع مع لبنان والعراق، فيكتنفه الغموض، ورغم مصلحة البلدين في استقرار سوريا، فإن قدرتهما على المساهمة في ذلك موضع شك فالحدود اللبنانية السورية تشهد عدم استقرار واضح، ومازال التهريب قائمًا، بينما تدخل في العراق الأبعاد الكردية وانتقل إلى الحديث عن تركيا، التي لا شك أنها من أكبر الداعمين للحكومة السورية الحالية، حيث بدأت في تدريب الجيش السوري من جديد، وهناك معسكرات للتدريب، إلى جانب دعم سياسي على المستويين الدولي والإقليمي.ثم تناول دور إسرائيل، التي تواصل تدخلها السافر، وبعد تقدم محتمل نحو اتفاق أمني، يبدو أن هذا التقدم توقف لأسباب مختلفة، منها صعوبة قبول الحكومة السورية لشروط إسرائيل والعكس.
كما أشار إلى الدور الوسيط للولايات المتحدة بين إسرائيل وسوريا، والتردد في تحقيق تقدم، مع احتمال طرح ترتيبات ثلاثية في جنوب سوريا، خاصة مع رفض إسرائيل الانسحاب من جبل الشيخ.ورأى أن قبول دمشق بهذه الترتيبات سيكون صعبًا. كما علق على ما تردد عن وجود قاعدة أمريكية في سوريا، مع العلم أن للأمريكيين وجودًا شرق الفرات، ولا يمكن استبعاد وجودهم في منطقة ما بالجنوب، لكن الأمر لم يُحسم بعد.
ثم انتقل إلى روسيا، التي كانت لها علاقة وطيدة بنظام بشار الأسد، وتراجعت بعد سقوطه، ويبدو أن تأثيرها على الأوضاع في سوريا أصبح محدودًا، لكنها لم تنسحب كليًا بسبب مصالحها الواضحة.ورأى أن روسيا تسعى لإيجاد ترتيب يسمح لها بالتواجد في الساحل السوري، لكن شكله غير معروف حتى الآن. واعتبر أن زيارة روسيا كانت مهمة، رغم أنها لم تحقق جديدًا، وأن الطرفين حريصان على استمرار العلاقة.
وأخيرًا، تطرق إلى دور الأمم المتحدة في سوريا، الذي يواجه تحفظات منذ 2011، ورغم وجوده لم يحقق تقدمًا يذكر لصالح الشعب السوري.وأشار إلى انتهاء مهمة المبعوث الخاص في نوفمبر، وعدم تعيين بديل، مع عدم عجلة الحكومة السورية في ذلك، ورغبتها في تقليص الدور السياسي للأمم المتحدة والاكتفاء بدورها في تقديم المساعدات. ورأى أن إلغاء الدور السياسي للأمم المتحدة ليس سهلاً، لأن مجلس الأمن لن يقبل بذلك في ظل عدم استقرار الأوضاع.كما تطرق إلى القرار 2252 كخريطة طريق للمرحلة الانتقالية، وأكد أن الحكومة السورية تسعى لعدم التعامل معه، بينما لن تتنازل عنه الأمم المتحدة. ورأى أن الحل الوحيد هو حوار جاد بين الحكومة السورية والأمم المتحدة ومجلس الأمن للنظر في إمكانية تعديل القرار بشكل يتوافق مع مصالح جميع الأطراف.
وختم بالقول:"من الواضح أن الحكومة السورية تركز على علاقاتها الإقليمية والدولية على حساب الأوضاع الداخلية المعقدة، وربما تفكر بأن التأييد الإقليمي والدولي سيساعدها في إدارة الوضع الداخلي."
هيثم مناع
سوريا تعيش كارثة حقيقية تتفاقم يومياً والغموض السائد غير خلاق
الزيارة الأمريكية للرئيس السوري تمت لتمكين النظام على حساب الشعب
سياسات النظام الحالي قائمة على "الجلافة والحمق والجشع" ولا يمكن أن تستمر
غضب شعبي داخلي متصاعد وتمرد على الأوضاع سيتخذ أشكالاً متعددة
الدور العربي مخيب للآمال والشعب السوري هو من يدفع الثمن وحده
من ناحيته عبّر هيثم مناع،، عن تقديره لدعوة مركز باستيت للمشاركة في الجلسة النقاشية، محذرًا من أن الوضع في سوريا يعيش "كارثة حقيقية" تتفاقم يومًا بعد يوم.
ووصف مناع الوضع الحالي في سوريا بأنه "غموض غير خلاق وغير بناء"، مؤكدًا أن التطورات الأخيرة، وعلى رأسها زيارة الرئيس السوري للولايات المتحدة بدعم من السعودية وقطر وتركيا، لم تأتِ لمصلحة الشعب السوري، بل لتمكين النظام من التعامل مع ملفات حساسة دون مراعاة حقوق السوريين فيما انتقد مناع بشدة سياسات النظام الحالي، واصفًا إياها بـ"الجلافة والحمق والجشع"، معتبرًا أن هذا النوع من السلوك لا يمكن أن يستمر بهذه الصورة، وأن أشكال التمرد عليه ستتخذ صورًا متعددة من مختلف أطياف المجتمع.
وكشف مناع عن مظاهر الغضب الداخلي المتصاعد، مشيرًا إلى مواجهات كبيرة من قبل العمال المسرحين ورفض شعبي واسع لفكرة إجراء الانتخابات بعد خمس سنوات وتذمر عام من سياسات النظام الاقتصادية والاجتماعية فيما استشهد مناع بالمثل الشعبي السوري "حبل الكذب قصير"، معتبرًا أن فترة حكم النظام الحالي قد طالت أكثر مما يجب، وأن الشعب السوري لم يعد يتحمل المزيد من الوعود الكاذبة والسياسات الفاشلة.
وأعرب مناع عن خيبة الأمل من الدور العربي، مشيرًا إلى أن السعودية وقطر لم تقدما سوى دفع مرتبات، بينما توقفت عمليات إعادة الإعمار، وأن الشعب السوري هو من يدفع الثمن وحده واختتم مناع حديثه بالتأكيد على أن سوريا تقف عند مفترق طرق حاسم، وأن الشعب السوري يئن تحت وطأة الأزمات المتلاحقة، داعيًا إلى تغيير جذري في السياسات قبل فوات الأوان.
السفير حازم خيرت
الدعم الشعبي للنظام السورى يعكس "حالة من الغفلة" وليس الرضا
تحذير من مخاطر التقسيم الطائفي في حال لم تحصل الطوائف على الأمان.
النظام السورى السابق كان لابد أن يسقط، ولكن ليس لصالح جماعات متطرفة.
الدعم الإقليمي الحالي لن يقود لسوريا مدنية بل "لمستنقع طائفي ومخاطر تقسيم".
دعوة لمصر لتلعب دوراً مختلفاً وأكثر انخراطاً في الأزمة السورية.
من ناحيته، أعرب السفير حازم خيرت عن تقديره لدعوة مركز "باستيت"، مؤكدًا أنه سيتناول جانبًا من تجربته في سوريا كسفير. وأشار إلى أنه عاش في سوريا فترتين: الأولى في عهد حافظ الأسد، والثانية في عهد بشار الأسد، وأنه اندمج مع المجتمع السوري ولم يشعر بأي غربة.
ولفت إلى أن المشاركين في اللقاء تطرقوا إلى العديد من النقاط المهمة، مما يدفعه إلى مناقشة عدد من التساؤلات والتعليقات، كان أولها: كيف يمكن تفسير التفاؤل الكبير لدى شريحة كبيرة من الشعب السوري تجاه نظام الشرع، واقتناعهم بأنه يسير بالبلاد نحو التنمية؟ وكذلك كيف نفسر الالتفاف الدولي حول النظام، بما في ذلك دول مثل الإمارات التي تتخذ موقفًا من الإسلام السياسي، إلى جانب روسيا، وحتى أمريكا باستثناء موقف مصر؟
وأضاف أنه من خلال تواصله المباشر مع السوريين، يجد إجابات تؤكد على الدعم الشعبي للنظام رغم التحديات الاقتصادية، وأن السوريين يرون أن النظام يسعى للتنمية،. لكن يرى أن هذه النظرة تعكس "حالة من الغفلة"، مستشهدًا بالمثل المصري "السكينة سارقاهم"، معتقدًا أنهم سيدركون حقيقة الأوضاع لاحقًا.
وتطرق أيضًا إلى البعد الإقليمي والدولي وما شهده من تطورات داعمة للنظام، متسائلًا عن مدى استمرار هذا الدعم من عدمه.كما تناول في حديثه مخاوف التقسيم وعوامل الطائفية، مشيرًا بشكل خاص إلى الطائفة الدرزية التي كان قريبًا منها في الفترتين. واستذكر أنه خلال الفترة من 92-1994، حدثت أزمة في لبنان بسبب فتوى من دار الإفتاء المصرية بتكفير بعض الطوائف ومنها الدروز، مما أثار احتجاجات كبيرة. وقال إنه ذهب بنفسه إلى السويداء واستضافه شيخ الطائفة في ذلك الوقت، مؤكدًا أن الدروز "منتمون للعروبة بشكل كبير"، ولفت إلى أنه لاحظ خلال جولة عشوائية في منازلهم انتشار صور الرئيس جمال عبد الناصر بشكل لافت.
وأشار إلى أن نظام حافظ الأسد كان يرعى مسألة الطوائف، واستمر بشار على نفس النهج في التواصل مع الدروز، لكن الوضع اختلف بعد 2011، معتبرًا أن "بشار فقد عقله". وقال إنه كان يرى أن نظام بشار لابد أن يسقط، لكنه كان يأمل في تغيير حكومي يقود سوريا إلى دولة مدنية، وليس دولة تسيطر عليها جماعات متطرفة "تخرج من رحم القاعدة وهيئة تحرير الشام"، وهو ما لا يتناسب مع طبيعة السوريين.
وحذر من أن الطوائف السورية تبحث دائمًا عن الأمان، وإذا لم تجده، فقد تلجأ إلى تكوين كيانات خاصة بها، وهو ما نراه من بعيد فيما يتعلق بمخاطر تقسيم سوريا. وتساءل عن ما طبيعة الدعم الإقليمي لهذا النظام الذي يستهدف التقسيم بهذه الصورة؟ وخلص إلى أن الدعم الإقليمي لن يستطيع تمكين نظام الشرع من قيادة سوريا المدنية، بل سيكون مصيرها أن تتحول إلى "مستنقع للتقسيم والطائفية". ودعا في الختام إلى أن يكون لمصر دور مختلف في هذه الأزمة، معربًا عن أمله في انخراط أكبر لها.
الدكتورة نيفين مسعد
إسرائيل شريكة في صناعة المشهد السوري الحالي لتحقيق مكاسبها
هناك عملية متعمدة "لغسيل السمعة" وخلق "وعي زائف" حول النظام السورى.
إجماع إقليمي (خليجي) ودولي (أمريكي-روسي) على "إعطاء النظام السورى قبلة الحياة
العامل الداخلي وليس القبول الخارجي هو ما سيحدد مصير النظام السورى
إدارة ملف التنوع المجتمعي هو الاختبار الحقيقي للنظام السورى.
من ناحيتها، أعربت الأستاذة الدكتورة نيفين مسعد، عن تقديرها لمركز "باستيت" لدعوتها للمشاركة في الحوارات التي يعقدها المركز، مؤكدةً أنها ستتطرق لعدد من النقاط التي أثيرت خلال النقاش.
وتساءلت حول ما ذُكر عن محاولات النظام "تجميل" صورته، قائلة: "هل إسرائيل لا تريد أن تُصدق أم أنها شريكة في صناعة هذا المشهد؟" مشيرةً إلى أن إسرائيل صرّحت على لسان مسؤوليها بأنها شاركت في إسقاط نظام الأسد. وتساءلت: "هل فوجئت بخطاب الجولاني أم أنها شريكة في صناعته وتستفيد منه؟" موضحةً أن إسرائيل تدرك جيدًا أن هذه الجماعات لن تتغير، لكنها ساهمت في وصولها إلى الحكم في سوريا لتبرير احتلال الجنوب والتوسع وتحطيم الجيش السوري.
كما تناولت مسألة القرار الأممي 2252، مؤكدةً على أهمية تعديله في ظل الاحتكاك القائم بين الجولاني والأمم المتحدة، خاصةً أن سوريا بحاجة ماسة إلى هذا التعديل. واستشهدت بما ذكره الأستاذ هيثم مناع من أنه "إذا لم يتم تجميد هذا القرار، فإن الولايات المتحدة قادرة على المضي قدمًا بعيدًا عن الأمم المتحدة"، وهو المصير نفسه الذي كان ينتظر الوضع في غزة لو استُخدم الفيتو الروسي ضد التحرك الأمريكي.
وأعربت عن إعجابها بحديث هيثم مناع عن "التضليل الذي نعيشه"، قائلة: "دائمًا ما أقول إننا جميعًا شهود على عملية صناعة وهم أو وعي زائف، نحن نرى جميعًا كيف تُغسل سمعة أشخاص نعلم حقيقتهم جيدًا." وردًا على ما ذُكر عن أن شريحة كبيرة من السوريين ترى في النظام "قائد النهضة"، رأت أن هذا التوصيف غير دقيق، معتبرة أن هذه الشريحة تقلصت على مر الوقت، حيث بدأت الرغبة بالتخلص من نظام الأسد، لكن الواقع تغير لاحقًا. وأكدت أن الوضع الحالي في سوريا لا يختلف كثيرًا عن عهد بشار الأسد، من حيث أزمة القمح والاقتصاد والطائفية المنتشرة.
وتطرقت إلى المنحى الإقليمي لسوريا، مشيرةً إلى أن التطورات في العراق ولبنان تزيد الحاجة للتركيز على الملف السوري. ففي العراق، تواجه الانتخابات الأخيرة تحديات في تشكيل الحكومة، بينما في لبنان يستمر الوضع الصعب مع رفض حزب الله تسليم السلاح. وأكدت أن هذا الإطار الإقليمي غير المريح يسلط الضوء على سوريا.
ولفتت إلى أن هناك حرصًا كبيرًا من قوى إقليمية مثل السعودية وقطر والإمارات على "الإبقاء على هذا النظام وإعطائه قبلة الحياة"، كما أن الولايات المتحدة وروسيا، رغم تناقض مصالحهما في ملفات أخرى، يتفقان على دعم النظام في سوريا. لكن هذا التوجه يصطدم بالداخل السوري.وأشارت إلى أن النظام يبدو وكأنه نجح في تثبيت حكمه من خلال نسخة معدلة من المعادلة التي حافظت على بشار الأسد سابقًا، حيث حلّت تركيا وقطر والسعودية ولبنان والعراق محل الوجود الإيرانى، مع العمل مع الولايات المتحدة وإسرائيل والتطبيع معهما.
واختتمت مؤكدةً أنها تتفق مع الرأي القائل إن العامل الداخلي هو الذي سيحدد بقاء النظام، وليس القبول الإقليمي أو الغطاء الدولي، مشددةً على أن إدارة العملية السياسية وملف التنوع، خاصةً فيما يتعلق بالدروز، هو ما سيحكم على النظام في النهاية. "فكل محاولات تجميل النظام لن تنجح ولن تصمد طويلًا، ولن يستمر الكذب على الناس... الداخل هو من سيحكم عليه، وليس الخارج."
أحمد كامل البحيري
الأزمة السورية في جوهرها "أزمة سنية-سنية" وليست طائفية بالكلية
سيطرة "تيار إدلبي حنبلي" على حكم دمشق هو مصدر الاختلال
الإخوان المسلمون لا يزالون لاعباً رئيسياً وهم الخيار التركي المفضل وليس الجولاني.
نسبة كبيرة من الجغرافيا السورية (55%) لا تزال خارج سيطرة النظام السورى
الحكم الفعلي في سوريا هو بيد "مفتي الجماعة" عبد الرحيم عطون الذي يمنح الشرعية.
وعبر أحمد كامل البحيري، عن تقديره لدعوة مركز "باستيت"، مشيرًا إلى نيته طرح عدة نقاط محورية تتمحور حول عدة تساؤلات من أسقط نظام بشار الأسد؟ وهو سؤال جوهري لفهم التركيبة الراهنة. من يحكم سوريا اليوم؟ هل هم أمجد النعيمي، أم أبو محمد الجولاني، أم الفاتح، أم أحمد الشرع – علماً أنهم جميعاً يمثلون الشخصية ذاتها؟ وهل تتركز السلطة في دائرة ضيقة تضم أنس الخطاب وأبو أحمد حدود وأبو عائشة والجولاني وأحمد الشرع؟ من يمتلك الكلمة العليا داخل سوريا؟ ومن يسيطر جغرافياً على الأرض؟ وهل يصح القول إن هناك سلطة واحدة تفرض سيطرتها على كامل الأراضي السورية؟ ما الفرق بين سيطرة بشار الأسد قبل أبريل 2015، وبعد التدخل الروسي؟ ومن هم الفاعلون الأساسيون على الأرض؟ ومن الأقرب إلى الجولاني: تركيا أم السعودية؟ وأخيرًا، كيف تبدو تركيبة السلطة الحالية، وما طبيعة الأزمة التي بدأت تلوح في الأفق؟
وأوضح البحيري أن الأزمة في سوريا هي في جوهرها أزمة "سنية–سنية"، وليست طائفية ، مشيرًا إلى أن أحد أسبابها الرئيسية هو ما أسماه "ترييف المدن"، حيث انتقل نمط حكم ريف إدلب ليدير مدينة دمشق، وهو تحول يحمل خطورة بالغة. وأضاف أن تاريخيًا، كانت دمشق سببًا في إسقاط الوحدة بين مصر وسوريا في عهد عبد الناصر، رفض النمط الاقتصادي المصري المطبق آنذاك.
وتابع أن سُنّة المدن يختلفون عن سُنّة الريف، وأن ما يحدث الآن هو استدعاء لمجموعات إدلبية لحكم دمشق، وهو ما يتجلى في سيطرة ما يُعرف برجال الأعمال – وهم في الحقيقة تجار – على مقاليد الحكم في العاصمة السورية. ولفت إلى أن الحكم اليوم في أيدي التيار الحنبلي، رغم أن معظم السنة في سوريا هم على المذهب الشافعي أو الحنفي، مما يعني أن 1% فقط من السنة هم من يحكمون البلاد، أي أن "أقلية الأقلية" هي المسيطرة.
كما أشار إلى أن الأزمة تفاقمت مع صعود السلفية الجهادية، وتساءل عن دور الإخوان المسلمين، مؤكدًا أنهم ما زالوا لاعبًا رئيسيًا في المشهد، حيث كانوا وراء تشكيل 26 فصيلاً في غرب سوريا، وهم لا يزالون يحظون بدعم تركي. وأكد أن الجولاني ليس رجل تركيا المفضل، بل الإخوان هم من يحظون بهذه المكانة، مما يفسر التوجه نحو فضل الله الحجي كمرشح بديل للجولاني.وكشف عن أن العلاقة بين الجولاني وتركيا شهدت توترًا حادًا خلال الاحتجاجات التي اندلعت في إدلب، واتهام الجولاني للإخوان وتركيا بالوقوف خلفها، ما أدى إلى عزل أبي أحمد حدود من منصبه كوزير للداخلية قبل سقوط النظام السابق.
من ناحية أخرى، أشار البحيري إلى أن 55% من مساحة سوريا لا تزال خارج سيطرة نظام الشرع، وهي نسبة أقل مما كان يسيطر عليه بشار الأسد قبل سقوطه والذي بلغت سيطرته 72%. وختم بالقول إن الحكم الفعلي في سوريا اليوم هو بيد عبد الرحيم عطون، مفتي الجماعة، الذي يتحكم بشرعية القرارات والأفعال.
وعقب د. أحمد يوسف أحمد مؤكدا على وجود تناقض بين الموقف الإقليمي من النظام الجديد، الذى يبدو مريحًا إلى حد كبير وبين الإشكاليات الداخلية ستظل العامل الحاسم في تحديد مستقبل سوريا، مؤكدًا أن الغموض لا يزال يكتنف المشهد.
ونفى هيثم مناع وجود شريحة كبيرة متفائلة بالوضع الراهن، مؤكدًا أن مثل هذه الفئة لم تعد موجودة بعد ثلاثة أشهر فقط من وصول الشرع إلى الحكم. وانتقد تقصير الدول العربية، في فهم حقيقة الأوضاع، كما وجه انتقادات حادة للموقف العربي عامة، وموقف السعودية وقطر خاصة، واصفًا إياه بأنه غير منصف ولا يخدم مصلحة السوريين. وأكد أن الأغلبية في سوريا تريد التخلص من الوضع الحالي، وليس مجرد نخبة أو أقلية.
وأعرب السفير رمزي عز رمزى عن تقديره للمناقشات الغنية التي شملت جميع زوايا الملف السوري، مشيرًا إلى أن الغموض سيظل يحيط بالوضع في سوريا. وشدد على ضرورة أن يلعب العرب دورًا أكبر في الفترة المقبلة، وأن يكون مستقبل سوريا على رأس أولوياتهم، محذرًا من أن أي خلاف عربي–تركي لن يكون في صالح سوريا. ودعا إلى زيادة الحوار مع تركيا، كما حذر من احتمال حدوث صدام تركي–إسرائيلي على الأرض السورية، مؤكدًا أن مثل هذا السيناريو لا يصب في مصلحة أي من الأطراف.