رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مؤتمر دولي بالجزائر لتجريم التوسع الاستعماري وإنشاء آلية للتعويضات

وزير الخارجية الجزائري
وزير الخارجية الجزائري

انطلقت، اليوم الأحد، في الجزائر العاصمة، أعمال مؤتمر دولي هو الأول من نوعه في القارة، مخصص لبحث جرائم الاستعمار في أفريقيا، والسعي إلى بلورة موقف أفريقي موحد بشأن العدالة التاريخية وجبر الضرر، واستعادة الممتلكات الثقافية المنهوبة، وحماية الذاكرة الجماعية للشعوب الأفريقية من محاولات التزوير أو الطمس.

ويعقد المؤتمر بالمركز الدُّوَليّ للمؤتمرات في الجزائر، بمشاركة واسعة من رؤساء برلمانات ووزراء خارجية ومسؤولين أفارقة، في إطار مسعى جماعي لإسماع "صوت واحد" باسم القارة، يطالب بالاعتراف الدَّوْليّ بهذه الجرائم، وتجريمها قانونيًا، وفتح الطريق أمام تعويضات عادلة تستجيب لحجم المآسي التي عاشتها الشعوب تحت الاحتلال، وفق صحيفة "الشروق" الجزائرية.

من حق أفريقيا أن تطالب بالاعتراف والتعويض

في كلمته الافتتاحية، شدد وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف على أن أفريقيا "تملك حقًا كاملًا ومشروعًا" في المطالبة بالاعتراف الرسمي والصريح بالجرائم التي ارتُكبت بحق شعوبها خلال الحقبة الاستعمارية، مؤكدًا أن الاعتراف هو الخطوة الأولى في مسار تصفية رواسب الماضي، ومعالجة جروح الحقبة الاستعمارية التي دفعت الشعوب الأفريقية ثمنًا باهظاً لها.

وأشار عطاف، إلى أن الجزائر نفسها تمثل نموذجًا صارخًا على وحشية الاستعمار، إذ تعرّضت خلال الاحتلال الفرنسي بين عامي 1830 و1962 لـ"إبادات ومجازر وحملات تهجير قسري"، راح ضحيتها ما بين مليونين وثلاثة ملايين شخص، أي ما يعادل ثلث سكان البلاد في ذلك الوقت، مضيفًا أن صحراء الجزائر لا تزال حتى اليوم تحمل آثارًا مدمرة للتجارب النووية الفرنسية على الإنسان والبيئة.

<span style=
بحضور إفريقي رفيع المستوى و في سياق دولي متحرك

محاكمة رمزية للدول الاستعمارية

المؤتمر، الذي يستمر يومين، بمثابة "محاكمة رمزية" للدول الاستعمارية التي بسطت نفوذها على القارة الأفريقية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وفي مقدمتها فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وألمانيا. 

ويهدف المشاركون إلى توثيق حجم الجرائم والانتهاكات التي وسمت تلك الفترة، ووضعها في إطار قانوني وأخلاقي واضح يقطع الطريق على محاولات تبييض الماضي أو تجميل صورته.

وأكد عطاف أن الوقت قد حان "لتصفية رواسب الاستعمار بكل تجلياتها، وتصفية الاستعمار ذاته تصفية نهائية"، مشيرًا في هذا السياق إلى القضايا التي لا تزال مفتوحة مثل ملف الصحراء الغربية والقضية الفلسطينية، بوصفهما امتدادًا لصيغ استعمارية أو احتلالية مرفوضة من الشعوب.

<span style=
بحضور إفريقي رفيع المستوى و في سياق دولي متحرك

نحو تجريم دولي للاستعمار

شدد الوزير الجزائري، على أن لأفريقيا الحق في المطالبة بـ"تجريم الاستعمار تجريمًا قانونيًا دوليًا لا لبس فيه"، تمامًا كما جرمت سابقًا العبودية ونظام الفصل العنصري. وأضاف أن تجريم الاستعمار يجب أن يترافق مع حق القارة في "التعويض العادل واستعادة الممتلكات المنهوبة"، لافتًا إلى أن التعويض في هذه الحالة "ليس منة ولا تفضلًا، بل حق تكفله القوانين والأعراف الدولية".

وذكر عطاف بأن ما يجمع القادة والخبراء في هذا المؤتمر "ليس مجرد شعار مرفوع، بل أمانة في أعناق الجميع"، مؤكدًا أن الذاكرة الأفريقية "ترفض النسيان" لما خلفته السياسات الاستعمارية من دمار وإبادة واستعباد.

ذاكرة أفريقية مثقلة بالمجازر والجرائم

استعرض عطاف سلسلة من الجرائم التي شهدتها دول أفريقية مختلفة على أيدي القوى الاستعمارية، متسائلًا:كيف يمكن للذاكرة الأفريقية أن تنسى ما وقع في الكونغو من إبادة واستعباد؟ وكيف تنسى إبادة شعب الباميليكي في الكاميرون، وجرائم حرق القرى وقطع الرؤوس والتجارب بالغازات السامة؟ وكيف تنسى إبادة شعبي الهيريرو والناما في ناميبيا، أو القمع الوحشي والقتل والتهجير في أنغولا وموزمبيق ومدغشقر وغيرها من ربوع القارة؟

هذه الأمثلة، بحسب عطاف، ليست سوى جزء من "سجل أسود" تركه المستعمِر وراءه، وهي تشكل الأساس الأخلاقي والقانوني لمطالبة أفريقيا اليوم باعتراف وتعويض وجبر ضرر حقيقي، يراعي الأبعاد الإنسانية والثقافية والاقتصادية والبيئية لتلك الجرائم.

<span style=
بحضور إفريقي رفيع المستوى و في سياق دولي متحرك

الحالة الجزائرية.. استعمار استيطاني كامل

خصص الوزير الجزائري حيزًا خاصًا لمحنة بلاده إبان الاحتلال الفرنسي، واصفًا إياها بأنها "نموذج نادر في التاريخ"، حيث لم يكن الاستعمار الفرنسي في الجزائر مجرد استغلال اقتصادي، بل "استعمارًا استيطانيًا كاملًا" هدفه ضم وطن إلى وطن آخر، وإحلال شعب مكان شعب، ومحاولة محو أمة كاملة في مكوناتها ومؤسساتها وهويتها وثقافتها ودينها ولغتها.

وبين أن المشروع الاستعماري الفرنسي في الجزائر كان "أطول وأعنف مشروع استيطاني في التاريخ الحديث"، استمر 132 عامًا من الاستعمار، قابلتها 132 عامًا من المقاومة المتواصلة، و132 عامًا من الجرائم بلا هدنة ولا رحمة.

خلفية تنظيم المؤتمر ودور الجزائر

يأتي انعقاد هذا المؤتمر استنادًا إلى قرار الجمعية العامة للاتحاد الأفريقي في فبراير الماضي، التي صادقت على المبادرة الجزائرية لاحتضان مؤتمر مخصص لـ"تحقيق العدالة للأفارقة وللأشخاص المنحدرين من أصل أفريقي"، عبر وضع آليات عملية وفعالة لجبر الضرر الناتج عن الحقبة الاستعمارية.

وتعتبر الجزائر ملف "الاعتراف بجرائم الاستعمار ودفع التعويضات" من الشروط الجوهرية لإقامة علاقات طبيعية مع فرنسا، خصوصًا فيما يتعلق بملف التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية بين 1962 و1966، وهو المِلَفّ المعروف في الجزائر باسم "الذاكرة".

من خلال هذا المؤتمر، تسعى الجزائر إلى تعزيز البنية الأفريقية للعدالة التاريخية، عبر توفير منصة حوار رفيعة المستوى تعمل على ترسيخ الاعتراف الدولي بالجرائم الاستعمارية، وابتكار آليات ملموسة لضمان عدم الإفلات من المسؤولية التاريخية والأخلاقية.

<span style=
بحضور إفريقي رفيع المستوى و في سياق دولي متحرك

تحدد الرؤية الأفريقية المشتركة تجاه الجرائم الاستعمارية

ومن المنتظر أن يعتمد المؤتمر في ختامه ما سيعرف بـ"إعلان الجزائر"، وهو وثيقة مرجعية على مستوى القارة تحدد الرؤية الأفريقية المشتركة تجاه الجرائم الاستعمارية، وتضع أسس استراتيجية قارية للعدالة وجبر الضرر، وستعرض هذه الوثيقة على قمة الاتحاد الأفريقي المقررة في فبراير 2026 لدراستها والمصادقة عليها"

بهذه الخطوة، تراهن الجزائر ومعها دول القارة على الانتقال من مستوى التذكير الأخلاقي بالمظالم التاريخية، إلى مستوى الفعل السياسي والقانوني المنظم، بما يرسّخ حق أفريقيا في الاعتراف والتعويض، ويحمي ذاكرتها الجماعية من النسيان أو التحريف.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء