ذكرى ميلاد تيودور مومزن.. المؤرخ الوحيد الفائز بجائزة نوبل
في مثل هذا اليوم 30 نوفمبر من عام 1817 وُلد تيودور مومزن لأسرة ألمانية ينتمي والدها إلى رجال الدين، ما جعله يتشرب في طفولته تعاليم مارتن لوثر، ويقترب من الفكر اللوثرى الذى شكّل جانبًا من رؤيته الفكرية لاحقًا.
درس مومزن في مدرسة الطونا بمدينة هامبورج قبل أن يلتحق بكلية الحقوق، إلا أن شغفه العميق بالتاريخ، وخاصة تاريخ روما، دفعه إلى الانطلاق فى مسار أكاديمى مختلف، ونسج خلال تلك الفترة صداقة متينة مع الأديب والشاعر تيودور شتورم.
البدايات الأدبية والكتاب الأول
بدأ مومزن مسيرته العلمية بنشر كتابه الأول في القانون عام 1843 تحت عنوان «مسائل قانونية في الكتابة وحقوق المؤلف»، تلاه مؤلفان بارزان حول القانون الروماني العام. هذه الأعمال لفتت انتباه أحد أبرز أعلام الفكر القانوني آنذاك، كارل فريدريش فون سافيني، فكان أن دعاه إلى الانضمام إلى أكاديمية العلوم البروسية، الأمر الذي أتاح لمومزن التنقل بين بلاده وإيطاليا وفرنسا في رحلات علمية أثرت تجربته.
ومع اندلاع ثورة 1848 في فرنسا، عاد مومزن إلى وطنه ليعمل في الصحافة، ثم في تدريس القانون المدني داخل الجامعات الألمانية، وفي عام 1850 تلقى دعوة من جامعة زيورخ لتدريس القانون الروماني، فلبى الدعوة وانتقل إلى سويسرا، حيث واصل العمل في ذات التخصص عام 1854.
وبعد عدة أعوام عاد إلى ألمانيا بدعوة من كلية الحقوق، متنقلاً بين جامعات مختلفة قبل أن تستقر به الخطوات في جامعة برلين أستاذًا للتاريخ الروماني وسكرتيرًا لقسم الفلسفة والتاريخ بأكاديمية بروسيا.

رجل قانون وسياسة في مواجهة بسمارك
لم يقتصر حضور مومزن على الدوائر العلمية، بل شغل مقعدًا في البرلمان الألماني ثلاث مرات، وفي عام 1866 وقف في مواجهة المستشار أوتو فون بسمارك مدافعًا عن رؤيته في تطبيق القانون الروماني العام، مؤكدًا أن الدولة الرومانية بُنيت على ثلاثة أعمدة، وهي: حكم الشعب، وحدة المواطنين، وسيادة السلطة، وهي أسس كان يرى إمكانية استلهامها في عصره.
قدّم مومزن خلال مسيرته أعمالًا جمعت بين الفقه القانوني واللغويات والآثار والتاريخ والاقتصاد والاجتماع، وهو هذا التنوع الذي صنع منه واحدًا من أبرز مفكري عصره، وساعدته معرفته العميقة باللغات القديمة كاليونانية واللاتينية على دراسة النقوش والكتابات النادرة، كما نشر عددًا من الأبحاث في مستهل حياته باللغة الإيطالية، وكانت دراسته للقانون مرحلة لاحقة تعمقت عبرها رؤيته للتاريخ الروماني وآدابه وفنونه، ما أتاح له فهمًا شاملًا لعصر الإمبراطورية.
جائزة نوبل ونهاية مسيرة قصيرة بعد التكريم
في ثمانينيات القرن التاسع عشر قرر مومزن، أن يجمع ما أنجزه من مؤلفات، فأصدر قائمة ببليوغرافية ضخمة تضم نحو 920 عنوانًا حتى عام 1887، وجاءت أهمية أعماله من رؤيته العلمية التي ربطت المعرفة بسياق العصر، ومن نقده للأيديولوجيات الضيقة التي كان يرى أنها تُفسد قراءة الواقع.
نال مومزن عدة أوسمة رفيعة بينها نيشان البافاري الماكسيميلياني للعلوم والفنون عام 1871 ووسام الاستحقاق للفنون والعلوم عام 1868، إلى أن تُوج عطاؤه بجائزة نوبل في الأدب عام 1902، ليصبح حتى اليوم المؤرخ الوحيد الذي يفوز بها في هذا الفرع.
ووصفت لجنة الجائزة أعماله بأنه «أعظم سيد حي في فن الكتابة التاريخية» مع تقدير خاص لمؤلفه الضخم «تاريخ روما»، وبعد عام واحد فقط من فوزه بالجائزة، توفي في 1 نوفمبر 1903، لكن أثره ظل ممتدًا في الذاكرة الإنسانية بما تركه من أعمال خالدة.