رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الدكتور محمد عاشور: السودان يشهد تفككاً تاريخياً

الدكتور محمد عاشور
الدكتور محمد عاشور

الدكتور محمد عاشور:

-        السودان يشهد تفككاً تاريخياً: من مركز مهيمن إلى 10 هوامش مسلحة تتصارع

-        الحرب تخلق اقتصاداً موازياً.. وشبكات مصلحة تعتمد على استمرار الصراع

-        السلاح أصبح مصدر شرعية بدلاً من الدستور.. والقوة تفرض نفسها مكان القانون

-        المجتمع يفقد وسائطه الفاعلة.. والنخب تفضل استمرار الحرب لحماية نفوذها 

-       الخيار واضح: إما دولة قانون أو فصائل تتقاسم الأرض وتعيد إنتاج الحرب إلى الأبد

عبّر الأستاذ الدكتور محمد عاشور، أستاذ العلوم السياسية بكلية الدراسات الإفريقية  العليا بجامعة القاهرة، عن تقديره الكامل لمركز "باستيت" ومناقشاته الثرية في ملفات الشرق الأوسط، مؤكدًا على أنه يتحدث عن هوامش هامة بالملف السوداني، وهو عنوان مداخلته بعد مشاركات الحضور الثرية.

وأشار إلى أنه يتحدث عن "هوامش السودان وتحولات علاقة المركز بالهامش"، موضحًا أنه حين نتحدث عن السودان لا نتحدث عن مجرد حرب أهلية أو صراع سياسي بين طرفين، بل نقرأ تحولات عميقة بين المركز والهامش، تلك العلاقة التي شكلت الإطار الحاكم لتاريخ السودان منذ نشأة الدولة. فالدولة السودانية ولدت وهي تحمل في بنيانها خللاً أصيلاً، حيث مركز يهيمن وأطراف تلحق قسراً بهذا المركز، والشواهد على ذلك كثيرة.

فلم يكن هناك سعي نحو بناء دولة جامعة بقدر ما كان هناك مركز يحتكر القرار والقوة، في مقابل هوامش تبحث عن الاعتراف والمكان والمكانة. وظل السؤال لعقود طويلة: من يسيطر على المركز؟ أما اليوم فالسؤال: هل بقي مركز يمكن السيطرة عليه؟ وهذه هي نقطة المحور الأساسية، حيث أفضت التدخلات الخارجية الطويلة إلى واقع معقد تتداخل فيه حدود المركز والهامش، فلا المركز بقي مركزاً ولا الهامش ظل هامشاً بمعناه التقليدي.

فالمعادلة القديمة القائمة على الهيمنة من جهة والاحتجاج من جهة أخرى انهارت، لتحل محلها شبكة جديدة من الصراعات والمصالح والولاءات العابرة للجغرافيا والسياسات. ومن هنا يمكن قراءة الواقع السوداني باعتباره حصيلة لهذا التبدل في البنية الاجتماعية والسياسية، حيث تراجعت سلطة الدولة وتقدم منطق القوة والسلاح، وبين هذا وذاك تأكلت المؤسسات واتسعت الفجوات الاقتصادية والاجتماعية.

وهنا يمكن الوقوف على عدد من الملامح أولها: فقدان المركز لهيمنته وتحوله إلى ساحة للصراع، حيث أصبح الصراع على من يسيطر على المركز. وتبدل المشهد فلم تعد الأطراف تتحدى المركز من الخارج، بل انتقل الصراع إلى داخل الخرطوم، وأصبح الفضاء يتداخل في شبكات السلاح والذهب والدعم الخارجي. وتحولت علاقة المركز بالهامش من علاقة هيمنة إلى علاقة تفكك متبادل، حيث المركز يفقد السلطة والهامش يفقد ثقته بالدولة الجامعة.

الملمح الثاني: ضعف المجتمع المدني وتآكل النسيج الاجتماعي، حيث أدى طول أمد الصراع إلى هشاشة البنية الديموغرافية والمدنية والاجتماعية، وأصبح المجتمع يعيش بدون وسائط فاعلة والملمح الثالث: خلق الحرب لاقتصاد خاص بها، حيث أصبح هناك اقتصاد قائم على الحرب، مما أدى إلى إحداث تغذية ذاتية لها. وقد تشكلت شبكات علاقات ومصالح من مصلحتها استمرار الحرب.

الملمح الرابع: تفتت المركز وتكون هوامش جديدة مسلحة، فاستمرار الميليشيات خارج الإطار المؤسسي للدولة وغياب الحسم وتوازن القوى لا يمثل مجرد أزمة أمنية، بل تحول بنيوي يعيد صياغة العلاقة بين المركز والهامش. فبدلاً من مركز واحد يحتكر القرار والقيادة، تتكون اليوم مراكز محلية متنافسة تستمد شرعيتها من السلاح والموارد الذاتية، وليس من الدستور أو القانون. وهو ما يبقي السودان على حافة التفكك الشبيه بما شهدته الصومال، حيث تتآكل مؤسسات الدولة المركزية ويستبدل بها سلطات أمر واقع تربطها ببعض مصالح لا منطق الدولة. مع الإقرار بطبيعة الحال بأن ما نعاينه لا يعد انهياراً كاملاً بحال من الأحوال، إلا أنه بمثابة مقدمات واضحة لانزلاق تدريجي نحو تعدد المراكز وتكاثر الهوامش والملمح الخامس: غياب الإرادة السياسية بما يعمق منطق السلاح، فمن أبرز مظاهر الخلل في علاقة المركز بالهامش هو أن الإرادة السياسية لإنهاء الحرب شبه غائبة لمصالح ورؤية كل طرف. فالنخب التي خرجت من المركز والتي صعدت من الهامش تتفق على شيء واحد وهو أن استمرار الحرب يضمن بقاء النفوذ، فالتهدئة ليست سبيلاً. وهذا الأمر كرس سردية أن الحقوق لا تنال إلا بالسلاح والقوة، وهي الذهنية التي بدأت في الجنوب في الخمسينيات ثم دارفور، وتُعاد اليوم في قلب العاصمة نفسها. وبلا شك فإن كل عام يمر يتشكل فيه أجيال لا تعرف سوى الحرب وتعيش عليها، مما يعني أننا لا نخسر فقط البنية التحتية، بل نخسر رأس مال السلام وهو البشر.

الملمح السادس: تحول منطق الحرب إلى نظام حكم، فمنطق الحرب لم يعد مجرد حالة طارئة بل نظام تفكير متكامل، جوهره جعل السلاح الوسيلة الأساسية لإدارة المصالح. ولذا فإن فهم الانسداد والتداعي على الساحة السودانية يتطلب التعرف على منطق اللجوء إلى السلاح، والذي يتمثل في أربع ركائز أساسية: أن القوة تفرض شرعيتها، وأن من يملك السلاح يُسمع له أمام المدني فيُهمش، وأن الحقوق تنتزع بالقوة والدولة لا تستجيب إلا لحالة التمرد، وأن الولاء للسلاح أقوى من الولاء للوطن، فالمقاتل يدين لفصيلته وميليشياه لا للمؤسسات الوطنية، وأيضاً أن الحرب أصبحت مصدر رزق والملمح السابع: أن وقف القتال لا يكفي ما لم يكسر منطق الحرب، فوقف إطلاق النار يوقف نزيف الدم ولكنه لا يوقف العقلية التي تنتج هذا الأمر. فكل اتفاق سلام لا يغير العلاقة بين السلاح والسلطة محكوم بالفشل، وتاريخ السودان زاخر بالأمثلة على ذلك.

الملمح الثامن: إعادة تأسيس العلاقة بين المركز والهامش شرط لازم لبقاء الدولة، وذلك لن يتحقق إلا عبر التحول من دولة الامتيازات إلى دولة الحقوق، ومن شرعية القوة إلى شرعية القانون، ومن مركز يحتكر إلى وطن يتشارك والملمح التاسع: تشابك الإقليمي وتدويل الصراع يعقدان الحرب في السودان، حيث أصبحنا أمام شبكة معقدة.

وختاماً، يمكن القول إن العلاقة بين المركز والهامش لم تعد مجرد علاقة جغرافية أو سلطوية، بل أصبحت سؤالاً وجودياً. وعليه، لن يتحقق السلام في السودان ما لم يتم كسر منطق الحرب بكل تجلياته، وعلى رأسها التجليات المسلحة خارج الدولة. فإما دولة تحتكم للقانون، أو فصائل تتقاسم الأرض والثروة وتعيد إنتاج الحرب إلى ما لا نهاية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء