الدكتور عبد الرحمن الغالي: الدعم السريع أصبح دولة داخل الدولة
الدكتور عبد الرحمن الغالي:
- الدعم السريع أصبح دولة داخل الدولة: نيابات ومحاكم وعلاقات خارجية وتمويل ذاتي
- سردية الحرب على الإسلاميين 'قبيحة'.. والحقيقة أن الإسلاميين منقسمون بين الجيش والدعم السريع
- الدعم السريع يرفض الاندماج لأنه سيخسر كل شيء.. والسلطة لا تقبل التقسيم
- الهدنة بدون إطار واضح مجرد خدعة.. وتجربة اتفاق جدة أنتجت مجازر
عبّر الدكتور عبد الرحمن الغالي، الكاتب والباحث والأمين العام السابق لحزب الأمة السوداني، عن تقديره للدعوة للمشاركة في هذه الجلسة الهامة، مشيرًا إلى أن التشخيص الصحيح هو العلاج الأهم لأي أزمة. وبالتالي، فإن أي حرب -بحسب ما هو متعارف عليه في العلوم السياسية- تكون فيها نظريات "الأسباب الجذرية" حاضرة، وأيضًا نظريات "فشل المساومات". وتوجد مدارس سياسية أخرى تتحدث عن حروب عابرة، ولكن ما يعقبها من تصعيدات يكون غير متوقعٍ ويقود إلى نتائج لا يمكن عكسها.
ولكنني أقدّر أن هذه الحرب كانت في مستهلها محاولة من الدعم السريع للاستيلاء على السلطة بسند إقليمي ، والشواهد على ذلك كثيرة. فالدعم السريع بعد الثورة السودانية زاد تعداد قواته إلى أكثر من 100 ألف، وأصبح لديه علاقات خارجية مع الاتحاد الأوروبي ومع السعودية والإمارات، ومع روسيا من خلال شركة "فاغنر"، وأصبح لديه موارد ذاتية من الذهب والشركات، وأصبح لديه نيابات ومحاكم، وبالتالي أصبح يتصرف كجهة تسعى للسلطة وليس كقوات مساعدة للجيش، ومن هنا أصبح "دولة داخل الدولة".
ويوجد تقرير للأمم المتحدة في يناير 2024، بعد اندلاع الحرب، تحدث عن تحويلات مالية من بنك السودان لبنك الخليج المملوك للدعم السريع، وكيفية نقل المقاتلين، وكيفية شراء أراضٍ لتحييد الأسلحة الاستراتيجية للجيش السوداني مثل سلاح الطيران. وهنا الفكرة كانت واضحة، وهي أن الأسلحة التي يتفوق فيها الجيش لابد من تحييدها، وهي سلاح الطيران والمدرعات، وهذه دلائل واضحة للرغبة في الاستيلاء على السلطة.
الدور الخارجي في هذه الحرب واضح بطبيعة الحال، فالدعم السريع ليست لديه قدرات ذاتية تجعله قادرًا على مقاومة الجيش لمدة عامين والتفوق عليه، وهو يؤمن نفسه بالوقود والطائرات وغيرها من الأسلحة ومعدات التشويش. وقد ذكر في أحد التقارير الصادرة عن "ميدل إيست آي" بخصوص سقوط الفاشر، أن الأمر وصل إلى قطع اتصالات قوات الجيش، وهذه قدرات تفوق قدرات الدعم السريع كميليشيا، والعامل الخارجي واضح. وأيضًا قد طالب الكونجرس في هذه الجزئية وزير خارجية الإمارات بأن يكف يده عن دعم أحد الأطراف... ومن هنا أختلف مع فكرة الدعم الذاتي بقدر ما أؤكد على فكرة الدعم الخارجي، وتحديدًا من الإمارات، وهذا أمر ظاهر جليّ.
النقطة الثالثة التي أتحدث عنها بشأن ما يردده الدعم السريع والخاص بدور الإسلاميين في إشعال الحرب، وأنا أتصور أن هذه السردية قبيحة جدًا، وخاصة أن الإسلاميين حكموا السودان 30 عامًا وكان عندهم تمكين سياسي واجتماعي واقتصادي، ولكن في 2019 جاءت الثورة والإطاحة بهم. وأتصور أنه بقي لهم نفوذ في الجيش وغيره، ولكن هذه الحرب لم يقم بها الإسلاميون، وخاصة أنهم انقسموا إلى فئات كثيرة، فيهم من انضم للدعم السريع، والمتحدث باسم الدعم السريع نفسه من المؤتمر الوطني ونائب الرئيس البشير أيضًا مع الدعم السريع. وأيضًا يوجد أحد الأشخاص المستقيلين من الدعم السريع كان أحد أهم أسباب استقالته أن الدعم السريع خاضع لنفوذ المؤتمر الوطني ومن هنا، فالحرب كلها -بحسب التقارير والواقع- تدور حول عدم قبول الدعم السريع داخل الجيش.
ومن هنا نتوقف أمام نظرية "فشل المساومة"، وأحد أهم عناصرها التي تعتمد عليها هو أنه إذا كانت القضية في مجال المساومة لا يمكن قسمتها على اثنين، وبالتالي الدعم السريع كان لديه خط أحمر بأنه لا يندمج، وخاصة أنه حال اندماجه يكون قد فقد كل شيء، وخاصة أنه مكون من ميليشيا وقوى عسكرية أسرية. ومن هنا أعتقد أنه بغض النظر عن كل السرديات، فالسردية الحقيقية للحرب هي محاولة الاستيلاء على الحكم من الدعم السريع بدعم خارجى.
وأتصور أيضًا بأن فشل وقف الحرب من جانب الخارج متعدد الطبقات، حيث توجد عوامل لذلك، ويوجد فشل وانقسام في القمة والقاعدة. فالقمة مشتتة وليست لديها رغبة في المساومة، مثل مصر وأيضًا الاتحاد الأفريقي، وخاصة أن كل طرف يعمل فيتو على الطرف الآخر. وفى القاعدة فالطبقة السياسية منقسمة، والمجتمع السوداني منقسم أيضًا على نفسه. ولنا في الفاشر نموذج بخلاف الوضع في دارفور، وأيضًا نموذج حفتر لا يجوز تطبيقه في السودان، والسبب أن مكونات المجتمع السوداني متضادة. وبجانب ذلك أيضًا الخلاف الإقليمي، ويوجد إحدى المقالات التي أشارت في وقت مبكر إلى أنه إذا جلست أبوظبي والرياض مع بعض، سنكون أمام حل المشكلة بشكل واضح. ومن هنا فإن الخلافات الإقليمية بجانب أن السودانيين ليست لديهم رغبة للجلوس مع بعضهم البعض، وبالتالي أصبحنا أمام تعقيد إقليمي وسياسي واجتماعي.
والسؤال: هل من أمل؟ أتصور أن نكون أمام خريطة طريق، ويعقب ذلك مسألة وقف العداءات، ثم وقف إطلاق النار، وبالتالي عملية سياسية شاملة وذلك بشكل كامل، وليس تفعيل هدنة بدون إطار وخريطة واضحة. ولا يوجد شخص عاقل يقبل بهدنة ليست على أساس واضح ولها إطار. وهذه رؤيتي عن الواقع، وليس كما يتحدث الإعلام الذي يقدم صورة مختلفة. حيث وصل الأمر بالبعض إلى تصوير أن الحرب هي بسبب النظام السابق وأن الإسلاميين السبب ... الأمر ليس بهذه الصورة التي تقدم في الإعلام.