هل تقود مشروعات البنية التحتية ثورة خفية تجعل مصر مركز الطاقة
تشهد مصر خلال السنوات الأخيرة تحوّلًا استراتيجيًا واسع النطاق في مشروعات البنية التحتية لقطاعات الكهرباء والغاز والبترول، في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي أزمات متلاحقة وارتفاعًا غير مسبوق في تكاليف الطاقة.
وبينما تتراجع قدرات بعض الدول على تلبية احتياجاتها من الوقود والكهرباء، تطرح مصر نفسها — وفق خبراء الطاقة والاقتصاد — نموذجًا مختلفًا يقوم على التوسع في المشروعات العملاقة، وتعزيز الربط الإقليمي، وتطوير معامل التكرير ومحطات الإسالة، في إطار رؤية تسعى لأن تصبح القاهرة مركزًا محوريًا لإنتاج وتداول الطاقة في الشرق الأوسط.
في هذا التحقيق، ترصد «إيجبتك» شهادات وتحليلات خبراء الطاقة والاقتصاد حول حقيقة ما تحقق على الأرض، وما يواجهه القطاع من تحديات، وما إذا كانت مصر بالفعل على أبواب “مرحلة نضج” جديدة تعيد تشكيل خريطة الطاقة في المنطقة.
طفرة البنية التحتية… وكيف تغيرت خريطة الطاقة في مصر؟
أكد المهندس محمد عطية، الباحث والمتخصص في شؤون الطاقة، أن مصر شهدت خلال السنوات الأخيرة طفرة غير مسبوقة في تطوير البنية التحتية لقطاعات الكهرباء والغاز والبترول، انعكست بشكل واضح على جودة الخدمات ورفع كفاءة الإنتاج، بل ومهّدت لمرحلة جديدة من التصدير والربط الإقليمي.
محطات سيمنس وبنبان… من عجز يصل إلى 7 جيجاوات إلى تصدير الكهرباء
وأوضح عطية في تصريح خاص لـ«إيجبتك» أن مشروعات محطات الكهرباء العملاقة التي نُفِّذت بالتعاون مع سيمنس بقدرة إجمالية 14.4 جيجاوات في العاصمة الإدارية والبرلس وبني سويف، نجحت في إنهاء أزمة نقص الكهرباء التي كانت تصل إلى 6–7 جيجاوات في فترات الذروة.
كما أضاف أن مجمع بنبان للطاقة الشمسية بقدرة تفوق 1.8 جيجاوات واستثمارات تفوق ملياري دولار، عزز إنتاج الطاقة المتجددة، ومكّن مصر من بدء تصدير الكهرباء والتوسع في الربط الكهربائي مع السودان وليبيا، إلى جانب مشروع الربط مع السعودية بقدرة 3 جيجاوات.
الغاز… من توقف محطات الإسالة إلى مركز إقليمي للتصدير
وأضاف عطية أن قطاع الغاز شهد تحولًا استراتيجيًا بعد إعادة تشغيل محطتي إدكو ودمياط بطاقة إجمالية تقارب 12 مليون طن سنويًا، إضافة إلى توسعة شبكات الأنابيب بأكثر من 8,000 كيلومتر، واستقبال ومعالجة الغاز من دول شرق المتوسط وإعادة تصديره.
التكرير والتخزين… تقليل الاعتماد على الوقود المستورد
وأشار إلى أن مشروعات التكرير والتخزين أسهمت في رفع الطاقة التكريرية إلى ما يقارب 800 ألف برميل يوميًا بعد تطوير معامل مسطرد وأسيوط وأنوبك، إلى جانب تعزيز موانئ العين السخنة والحمراء وتحسين التوزيع والتخزين.
تراجع إنتاج الغاز وفاقد الكهرباء… أبرز التحديات
ورغم الإنجازات، قال عطية إن هناك تحديات تتعلق بتراجع إنتاج الغاز بسبب نضوب بعض الحقول، وضعف الصيانة في بعض المحافظات، ما يؤدي إلى فاقد كهربائي بين 12 و14%، في حين لا تزال نسبة الطاقة المتجددة بين 12% و14% رغم استهداف الوصول إلى 42% في 2035.
تحسين الكفاءة وتقليل الأعطال… أثر مباشر على المواطنين
وأفاد عطية بأن تحديث محطات التوليد والشبكات أدى إلى رفع سرعة الاستجابة للأعطال بنسبة 40% وتقليل مدة الانقطاع بأكثر من 30%. كما ساهمت توسعات معامل التكرير وتطوير منظومة الغاز في تقليل فاتورة الاستيراد ورفع قدرة خطوط الغاز على المناولة بنسبة 15%.
وأشار إلى أن تطوير محطات الإسالة رفع القدرة التشغيلية الفعلية بنسبة 20%، ما ساعد في تعزيز أمن الطاقة وخفض الضغط على الميزان التجاري بنحو مليار دولار سنويًا.
تكاليف مرتفعة ونقص العمالة… تحديات مستمرة
وقال عطية إن التكلفة الاستثمارية لمشروعات الطاقة الكبرى تراوح بين 1.5 و3 مليارات دولار للمشروع الواحد، بينما تواجه الدولة صعوبات في التمويل وارتفاع تكلفة الاقتراض، إضافة إلى وجود عجز بنحو 20% في العمالة الفنية المتخصصة.
الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر… مستقبل القطاع
وأشار عطية إلى أن قدرات الطاقة المتجددة في مصر تجاوزت 6 جيجاوات، ما يستلزم شبكات أكثر مرونة وذكاء وتوسيع خطوط النقل بنحو 3,000 كيلومتر وتحديث 6 مراكز تحكم.
ولفت إلى أن الهيدروجين الأخضر سيكون عنصرًا محوريًا في مستقبل الطاقة، مع نوايا استثمارية تتجاوز 80 مليار دولار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
د. رمزي الجرم: البنية التحتية كانت “شبكة الأمان” في مواجهة أزمات الاقتصاد
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي د. رمزي الجرم في تصريح خاص لـ«إيجبتك» إن الدولة المصرية استطاعت مواجهة التحديات المالية العنيفة التي شهدها العالم خلال السنوات الماضية بفضل الاستمرار في مشروعات البنية التحتية، التي حافظت على مستوى العمالة عند الحدود الآمنة.
الإنفاق الحكومي على البنية التحتية… “وصفة مكافحة الركود”
وأوضح الجرم أن الحكومات تلجأ في فترات الركود إلى زيادة الإنفاق الحكومي على البنية التحتية كوسيلة لتحفيز الاقتصاد وخلق فرص عمل، حتى لو تطلب الأمر ضخ استثمارات ضخمة للغاية.
وقال إن هذا التوجه كان واضحًا في مصر التي ضخت استثمارات كبيرة حافظت على دورة الدخل وتجنب البطالة.
كيف ساهمت البنية التحتية في “تربع مصر على عرش الطاقة”؟
وأضاف الجرم أن الاستثمار في البنية التحتية لعب دورًا محوريًا في تعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للطاقة عبر:
التوسع في تخزين ونقل الغاز والبترول
تطوير شبكات الطاقة المتجددة
إنشاء مستودعات عملاقة للنفط
تعزيز قدرات إعادة تغويز الغاز المسال
تحسين البنية التحتية للنقل البحري
توصيل الغاز الطبيعي للمنازل وتقليل استخدام البوتاجاز المستورد
بنية تحتية بحرية واستثمارات مفتوحة للطاقة المتجددة
وأشار إلى تطوير ميناء الحمراء وتحويله إلى مركز لوجستي لتخزين ونقل النفط، وزيادة إنتاج الطاقة الشمسية والرياح، مع فتح المجال أمام الاستثمارات العالمية في مشروعات الطاقة المتجددة.
وأكد دعم مشروعات التوليد المشترك في المناطق الصناعية لرفع كفاءة استهلاك الطاقة، وتعزيز أنظمة السلامة عبر أنظمة تحكم رقمية متطورة.
يجمع خبراء الطاقة والاقتصاد على أن مشروعات البنية التحتية في مصر لم تعد مجرد توسعات خدمية، بل أصبحت عنصرًا استراتيجيًا لإعادة رسم خريطة الطاقة إقليميًا ودوليًا.
وبينما تمثل التحديات الحالية من تراجع إنتاج الغاز إلى تمويل المشروعات ضغوطًا حقيقية، إلا أن الرؤية المستقبلية التي ترتكز على الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والربط الإقليمي تمنح مصر موقعًا تنافسيًا قد يعيد تشكيل معادلة الطاقة في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.