جلسة مركز باستيت:مطالبات بفتح المجال للحوارات السودانية السودانية بالقاهرة
- دعوة مراكز الأبحاث لاستضافة حوارات تجمع السودانيين من مختلف التوجهات
- تفعيل مبادرة دول الجوار للسيطرة على تدفق السلاح عبر الحدود السودانية
- وضع إطار واضح ومحدد لأي هدنة مستقبلية يمنع تكرار تجربة اتفاق جدة
- التركيز على التوافق الداخلي السوداني كشرط أساسي لأي حل سياسي
- تبني خريطة طريق تبدأ بوقف العداءات ثم وقف إطلاق النار ثم عملية سياسية شاملة ورفض أي هدنة بدون إطار تنفيذي واضح وضمانات رقابية دولية
- الدعم السريع يتحول إلى 'دولة ظل': نيابات ومحاكم وتمويل ذاتي من الذهب وعلاقات دولية مع روسيا وأوروبا
- الجيش السوداني يعاني أزمة وجودية بحرمان متعمد من سلاح المشاة في عهد البشير واعتماد مفرط على سلاح الطيران
- المجتمع السوداني ينزف: انقسامات قبلية وإيديولوجية وتفكك النسيج الاجتماعي.. والحرب تخلق أجيالاً لا تعرف سوى السلاح
- الدعم السريع يخادع بالهدن: يستغلها لنقل أسلحة وإعادة تمركز.. ويحتاج ضمانات صارمة لوقف إطلاق النار
- اللجنة الرباعية تفشل في احتواء الأزمة.. والأمم المتحدة عاجزة عن مواجهة التدخلات الإقليمية
- مبادرة دول الجوار تمثل الأمل الوحيد: مصر تتفاوض مع تشاد وكينيا لوقف تدفق السلاح عبر الحدود
- نظرية 'فشل المساومات' تفسر الأزمة: السلطة لا تقبل التقسيم بين الجيش والدعم السريع
- الوسطاء الوطنيون يختفون: غياب البرلمان والمؤسسات يفتح الباب للتدخل الخارجي والتأثير الإقليمي
- الولايات المتحدة تستخدم الدعم السريع كورقة في مواجهة انقلابات الساحل وتراجع النفوذ الفرنسي
- مصر تدفع ثمن 'اتهامات الوصاية'.. وتصر على أن الحل يجب أن يكون سودانياً خالصاً
- فرصة السلام لا تتعدى 30%.. وتحتاج 'مانديلا سودانياً' ومصالحة وطنية شاملة
- الحرب أصبحت 'مهنة مربحة': الفصائل تتكسب من استمرارها والنخب تفضل البقاء في الصراع على فقدان النفوذ
عقد مركز «باستيت» للدراسات السياسية والاستراتيجية، برئاسة الدكتور أحمد يوسف أحمد، جلسته النقاشية الثالثة تحت عنوان «الوضع الراهن في السودان وآفاق المستقبل".
تأتي هذه الجلسة في إطار سلسلة الجلسات التي يعقدها المركز لبحث ودراسة الأوضاع والتطورات في منطقة الشرق الأوسط، حيث ناقشت جلسته الأولى الأوضاع في فلسطين في أعقاب اتفاق السلام الذي تم برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبإدارة القيادة السياسية المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي. وأعقب ذلك جلسة موسعة ناقشت الأوضاع في لبنان، مع التأكيد على أهمية تفعيل المبادرة المصرية قياساً على نجاحها وخبراتها المتراكمة في الملف الفلسطيني.
وكانت المتحدثة الرئيسية في جلسة «الوضع الراهن في السودان.. وآفاق المستقبل» الدكتورة أماني الطويل، مديرة البرنامج الإفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. كما شارك في التعقيب كل من: الدكتور عبد الرحمن الغالي، الكاتب والباحث والأمين العام السابق لحزب الأمة السوداني، والأستاذ الدكتور محمد عاشور، أستاذ العلوم السياسية بكلية الدراسات الإفريقية العليا بجامعة القاهرة. بالإضافة إلى مشاركة الأستاذة الدكتورة راوية توفيق الاستاذ المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، و الدكتورة عبير ربيع المدرس بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة ، والدكتور سمير رمزي، الباحث في العلوم السياسية والمتخصص في الشأن السوداني.

الدكتورة أماني الطويل:
- القوى الإقليمية التى تقف خلف الدعم السريع تعمل على إحلاله محل الجيش السودانى
- واشنطن تتعامل مع الدعم السريع كورقة ضغط في مواجهة انقلابات الساحل الإفريقي
- اقتصاد الحرب يغذي نفسه.. والدعم السريع يملك قدرة ذاتية فائقة على إعادة إنتاج القوة
- نحن أمام حرب بلا سقف سياسي.. وتوازنات دولية عاجزة عن فرض حل
- فرصة السلام لا تتعدى 30%.. ونحتاج استثناءً سودانياً على غرار مانديلا
وعبرت الدكتورة أماني الطويل، عن تقديرها لدعوة مركز «باستيت»، مؤكدةً أن تصورها يتمثل في أن يمثل المركز إضافة كبيرة للمجال البحثي خلال الفترة المقبلة. وأشارت إلى أننا بصدد ملف السودان الذي يمثل أهمية كبيرة، مؤكدةً أن الوضع في السودان يعد من نت أكثر الأوضاع العربية الراهنة تعقيدًا وربما تكون انعكاسات الثورة السودانية أكثر وطأة من غيرها. ومن منطلق أن هذا الملف معقد ومتشابك، فقد اختارت زاوية محددة للحديث عنها تتمثل في "حرب بلا سقف سياسي وتوازنات دولية عاجزة".
وأشارت إلى أنه رغم استماعنا لتصريحات من جانب وزير الخارجية الأمريكي المتعلقة بموقفه من فكرة تسلح الدعم السريع وأيضًا من حالة الدعم السريع ككل كونها ميليشيا خارج سياق الدولة، إلا أنها تظن بأنه في ظل تعقد الوضع السوداني سيكون هناك حدود لهذا الدور الأمريكي. وعندما نتحدث عن حرب بلا سقف، فلا بد أن تتحدث عن ديناميات هذه الحرب، خاصة مع التداخل الكبير للمعطيات العسكرية والاجتماعية والسياسية والإقليمية التي تنتج نموذجًا لصراع يصعب احتواؤه أو دفع أطرافه إلى تسوية.
وأوضحت أن ديناميات التصعيد العسكري ربما تكون مفتاحًا لفهم التطورات التي تراها مقبلة، خاصة أن الحرب تعيد تشكيل السودان ديموجرافيًا وسياسيًا واقتصاديًا، وفتحت الباب أمام تدخلات إقليمية. وترى أن أهداف كل من القاهرة وأبوظبي في السودان متضاربة، وأن جزءا من هذا التضارب معروف وجزء منه غير معروف. والتصعيد العسكري ودينامياته مرتبط بأن لدينا أطرافًا قادرة على التصعيد الذاتي، وليس بالضرورة أن تكون هذه الأطراف لديها أطراف إقليمية داعمة، ولكنها تملك القدرة على التصعيد الذاتي، ومنها الدعم السريع يعتبر لديه القدرة على التجنيد المفتوح على عكس الجيش السوداني، وأيضًا القدرة على التمويل من الموارد التي يسيطر عليها في الأرض، وعنده قدرة نسبية على صياغة خطاب سياسي جاذب لبعض الأطراف، وخصوصًا في بيئات اجتماعية صديقة له وحاضنة له، وبالتالي لديه القدرة على إعادة إنتاج القوة بهذه المعاني.
وبهذا الشكل، يكون لدينا مصادر تمويل متعددة لجهات لصناعة اقتصاد حرب. وعلى الناحية الأخرى، اختار الجيش السوداني مناطق تمركزه في مناطق شرق ووسط وشمال السودان، لكنه لديه مشكلة في التجنيد البشري حيث القدرة المحدودة، وخاصة أنه حُرِم من سلاح المشاة منذ فترة حكم البشير على اعتبار المخاوف التي كانت موجودة من قيادة انقلاب عسكري ضده، وخاصة بعد 2015 حين تصاعدت المطالبات بأن يتنازل البشير عن فكرة إعادة انتخابه. والأمر الآخر هو اعتماد الجيش على سلاح الطيران والمسيرات إلى حد كبير، لكن الجيش في مناطق غرب السودان عانى بالإضافة إلى تحييد سلاح الطيران بشكل كبير بعد حصول الدعم السريع على مضادات أرضية.
كما أن الجيش لديه مشكلة مع حلفائه السياسيين الذين يعيدون إنتاج الحرب بشكل أو بآخر، كما يعيدون بلورة الخطاب السياسي الداعم للحرب على أساس أنها حرب ضد متمردين، في حين أن هؤلاء المتمردين كانوا جزءًا من السلطة في وقت سابق، وبالتالي لا يمكن تصنيف هذا الصراع إلا بأنه صراع على السلطة وعلى الموارد.
وأيضًا هناك مشكلة تفكك المجال العام وانعدام الوسطاء الوطنيين، لأن هذا الصراع تم تعميقه بغياب كافة القوى الوطنية، حيث القوى المدنية منهارة إما بانقسامات أوملاحقات أمنية، وبجانب ذلك الغياب الكامل لهياكل الدولة من برلمان وغيرها، ولا توجد أي مؤسسات تستطيع أن تقوم بأدوار التحكيم والفصل السياسي، مما أعطى مساحة واسعة لصعود القبيلة. وهذا الصعود كان له مقدماته في فترة الرئيس البشير، كما ذكر الدكتور الباحث عبد الرحمن الغالي "قبلنة السودان"، وهو تعبير في محله. ويوجد عدد من الاتجاهات في السياسة العامة ساهمت في قبلنة السودان بشكل أو بآخر، فبات للقبيلة دور كبير في التفاعلات الراهنة.
وقد مارس النظام السابق بتشابكاته الأمنية والعقائدية والتنظيمية دورًا محوريًا في تغذية ديناميات هذه الحرب، بمعنى أن أحد سفراء السودان في دولة رواندا أتى بشخص هدد الرئيس البرهان بقطع رقبته بالسيف إذا أقدم على التفاوض. وهذا سفير لدولة في دولة أخرى عمل تجمعًا جماهيريًا وحدثت فيه مثل هذه التصريحات، وهذا مشهد صعب للغاية ويثير الأسى.
وأيضًا كان كوادر الحركة الإسلامية وقياداتها السابقة دور أساسي في هذا الصراع. والحقيقة أن بعض أعضاء المجلس السيادي في المرحلة الديمقراطية، وقبل تصعيد الاتجاهات نحو الحرب، حاولوا أن يقوموا ببلورة مبادرة لنزع فتيل الأزمة، فذهبوا إلى الإسلاميين المعتدلين، فقال لهم أحدهم: "قبل 15 إبريل شيء وبعد 15 إبريل شيء آخر"، وهذا يعني أن فكرة الاعتدال فيها مساحة كبيرة من الشكوك.
وبالتالي توجد أطراف ساعدت في تغذية ديناميات الحرب وتصعيدها بشكل كبير. والكتل المدنية، نتيجة لخلل بنيوي في تقديري، لا تستطيع أن تصنع جبهة ضد أو حتى توافق رغم المخاطر التي تواجهها الدولة على المستوى الوجودي و المآسي التي يواجهها البشر على المستوى الإنساني، وكل ذلك لم يكن دافعًا لبلورة هذه الرؤية رغم خطورتها. وانقسموا أكثر من انقسام، ودائمًا ما أقول أن الحالة الثورية السودانية لديها سمة ثأرية دائمًا، خصوصًا بين الإسلاميين والشيوعيين، وهو مأزق كبير جدًا. وقد دعت إحدى قيادات الحركة الإسلامية، ثناء حمد، إلى حوار شامل بين الشيوعيين والإسلاميين، وأظن أن مثل هذه المبادرات مطلوبة حتى لو لم تستقبل بشكل مناسب في المراحل الأولى للمبادرات.
ويوجد انهيار إنساني، أعتقد أنه وقود لاستمرار الحرب، حيث يوجد نزوح وانتقال من أراضٍ لأخرى ومن بلاد لأخرى، وهذا يسهل التجنيد والاستقطاب السياسي، وهذا ما يفسر الاستقطاب الكبيرة على المستوى السياسي، لأن جزءًا أساسيًا منه البحث عن مصدر الرزق "أكل العيش" بعد فقده بسبب الحرب.
النقطة الثانية في هذه المداخلة مرتبطة بحدود الدور الأمريكي، ونستطيع أن نقول أن الإدارة الأمريكية الديمقراطية إلى حد كبير لم تكن مهتمة بفكرة تهدئة الصراع السياسي في السودان أو فكرة وقف الحرب، وكانت تتعامل مع هذا الملف بشكل هامشي، ولم يكن لديها فهم صحيح لديناميات الصراع، وكانت منحازة لأفكار تقليدية بشأن الحكم المدني والانتقال الديمقراطي، وهذا ليس مرفوضًا، ولكن آليات تحقيق ذلك في دول العالم الثالث تكون مختلفة ولها جدول زمني محدد ، وبالتالي لم يكن هناك فهم حقيقي. وأيضًا كان يوجد انحياز لقوى إقليمية موجودة وقوى إقليمية أخرى ليست موجودة.
ومن ثم، أستطيع أن أقول أن الولايات المتحدة أصبحت تهتم بالأزمة السودانية مع تعيين المبعوث الخاص في فبراير 2024، حيث بدأ تكثيف الاهتمام بهذا الملف والجولات الأمريكية في كل الدول العربية، وخصوصًا في مصر، وتبلورت رؤية حول خلق منصة تفاوضية، وهذه المنصة المكون الرئيسي لها هو اتفاق جدة، وتم توسيع الرعاة لتكون مصر والإمارات بينهم وأيضًا منصة أخرى وهي سويسرا، وبُذل فيها جهد كبير. ولكن الحقيقة أن القوى ذات الصلة بالنظام القديم المرتبطة بالجيش تسببت في عرقلة هذه المسألة، ووصلت الأمور لمطالبة حضور الجيش حتى لو وصل الأمر للزووم. وأيضًا بعد ذلك حصل مؤتمر لندن إبريل 2025 وكانت محاولة لمنصة تفاوضية ولم يسفر عن شيء، وخاصة أن الخلاف بين مصر والإمارات أصبح واضحًا.
وقد تسبب تغير الإدارة الأمريكية في تقليل الاهتمام وتعطيله، وفي هذا التوقيت لجأت الإدارة الأمريكية لسلاح العقوبات، ونعرف تمامًا أن سلاح العقوبات سلاح ضعيف وبلا آليات تنفيذية، وخصوصًا أن اقتصاديات الحرب خارج أي أنظمة شرعية أو مصرفية، وبالتالي لا نستطيع التعويل عليه. ولم يكن الدولار الأمريكي في إطار التفاعل الإقليمي وجهة نظر في مسارات إنهاء الحرب، وكان بؤسس رؤيته من الأطراف الإقليمية المختلف عليها .
وآخر محاولة هي اللجنة الرباعية، وفي سبتمبر الماضي أُصدر بيان بشأن هدنة إنسانية تبقى الأوضاع بموجبها على ما هو عليه حتى يتم إغاثة الناس، على أساس أنه مع وقف إطلاق النار ربما يكون هناك تفاوض. ومن سبتمبر حتى الآن استنفذت رؤية اللجنة الرباعية تيار الإخوان وبدأ الضغط عليهم على اعتبار أنهم يمثلون نوعًا من أنواع الوقود للحرب. والمتغير الجديد أنه ربما الأمم المتحدة تلعب دورًا مختلفًا، وخاصة مع موقفها من الدعم السريع متأثرة بالصدمة الدولية التي حصلت نتيجة احتلال الفاشر وما تضمنه من أفعال غير إنسانية.
وبالتالي، ماذا عن حدود الدور الأمريكي للضغط على الأمم المتحدة؟ وهذه مسألة تحتاج إلى وقت وتحتاج إلى النظر فيها، وخاصة أن الإمارات لديها القدرة على الضغط لدى الإدارة الأمريكية. وماذا عن الدور الذي تريد الإدارة الأمريكية أن يلعبه الدعم السريع أو لا يلعبه، وخاصة أن موقف الولايات المتحدة من الدعم السريع غير حاسم؟ وعندي تقدير أنه ربما يستخدم استخدامات سياسية ضد المركز أو ضد مصر، حيث أنه لا يوجد وضوح كامل في موقف الولايات المتحدة تجاه الدعم السريع. إذا صدر قرار باعتباره منظمة إرهابية، فيكون قد حسم الأمر بشكل كبير، أما إذا تأخر فسنرى أن الأزمة مستمرة، وربما قد تحدث هدنة إنسانية، وخاصة مع زيارة وزير خارجية مصر بدر عبد العاطي الأخيرة في السودان.
ولكن بالتأكيد هذه الحرب قد أثرت على السودان سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، ولن يعود السودان كما كان، وسيكون هناك مشكلات خاصة بالنسيج الاجتماعي. ولا أرى أن السودانيين قادرون على دعم هذا النسيج إلا إذا كنا أمام استثناء، ويكون هناك "مانديلا سوداني" يطرح طرحًا للمصالحة وإجراءات للعدالة الانتقالية، وخاصة أنه لا توجد تجربة تشبه أخرى في العدالة الانتقالية. ورغم هذا، فلا أدعم هذا الاحتمال إلا بنسبة 30%.

الدكتور عبد الرحمن الغالي:
- الدعم السريع أصبح دولة داخل الدولة: نيابات ومحاكم وعلاقات خارجية وتمويل ذاتي
- سردية الحرب على الإسلاميين 'قبيحة'.. والحقيقة أن الإسلاميين منقسمون بين الجيش والدعم السريع
- الدعم السريع يرفض الاندماج لأنه سيخسر كل شيء.. والسلطة لا تقبل التقسيم
- الهدنة بدون إطار واضح مجرد خدعة.. وتجربة اتفاق جدة أنتجت مجازر
من ناحيته، عبّر الدكتور عبد الرحمن الغالي، عن تقديره للدعوة للمشاركة في هذه الجلسة الهامة، مشيرًا إلى أن التشخيص الصحيح هو العلاج الأهم لأي أزمة. وبالتالي، فإن أي حرب -بحسب ما هو متعارف عليه في العلوم السياسية- تكون فيها نظريات "الأسباب الجذرية" حاضرة، وأيضًا نظريات "فشل المساومات". وتوجد مدارس سياسية أخرى تتحدث عن حروب عابرة، ولكن ما يعقبها من تصعيدات يكون غير متوقعٍ ويقود إلى نتائج لا يمكن عكسها.
ولكنني أقدّر أن هذه الحرب كانت في مستهلها محاولة من الدعم السريع للاستيلاء على السلطة بسند إقليمي ، والشواهد على ذلك كثيرة. فالدعم السريع بعد الثورة السودانية زاد تعداد قواته إلى أكثر من 100 ألف، وأصبح لديه علاقات خارجية مع الاتحاد الأوروبي ومع السعودية والإمارات، ومع روسيا من خلال شركة "فاغنر"، وأصبح لديه موارد ذاتية من الذهب والشركات، وأصبح لديه نيابات ومحاكم، وبالتالي أصبح يتصرف كجهة تسعى للسلطة وليس كقوات مساعدة للجيش، ومن هنا أصبح "دولة داخل الدولة".
ويوجد تقرير للأمم المتحدة في يناير 2024، بعد اندلاع الحرب، تحدث عن تحويلات مالية من بنك السودان لبنك الخليج المملوك للدعم السريع، وكيفية نقل المقاتلين، وكيفية شراء أراضٍ لتحييد الأسلحة الاستراتيجية للجيش السوداني مثل سلاح الطيران. وهنا الفكرة كانت واضحة، وهي أن الأسلحة التي يتفوق فيها الجيش لابد من تحييدها، وهي سلاح الطيران والمدرعات، وهذه دلائل واضحة للرغبة في الاستيلاء على السلطة.
الدور الخارجي في هذه الحرب واضح بطبيعة الحال، فالدعم السريع ليست لديه قدرات ذاتية تجعله قادرًا على مقاومة الجيش لمدة عامين والتفوق عليه، وهو يؤمن نفسه بالوقود والطائرات وغيرها من الأسلحة ومعدات التشويش. وقد ذكر في أحد التقارير الصادرة عن "ميدل إيست آي" بخصوص سقوط الفاشر، أن الأمر وصل إلى قطع اتصالات قوات الجيش، وهذه قدرات تفوق قدرات الدعم السريع كميليشيا، والعامل الخارجي واضح. وأيضًا قد طالب الكونجرس في هذه الجزئية وزير خارجية الإمارات بأن يكف يده عن دعم أحد الأطراف... ومن هنا أختلف مع فكرة الدعم الذاتي بقدر ما أؤكد على فكرة الدعم الخارجي، وتحديدًا من الإمارات، وهذا أمر ظاهر جليّ.
النقطة الثالثة التي أتحدث عنها بشأن ما يردده الدعم السريع والخاص بدور الإسلاميين في إشعال الحرب، وأنا أتصور أن هذه السردية قبيحة جدًا، وخاصة أن الإسلاميين حكموا السودان 30 عامًا وكان عندهم تمكين سياسي واجتماعي واقتصادي، ولكن في 2019 جاءت الثورة والإطاحة بهم. وأتصور أنه بقي لهم نفوذ في الجيش وغيره، ولكن هذه الحرب لم يقم بها الإسلاميون، وخاصة أنهم انقسموا إلى فئات كثيرة، فيهم من انضم للدعم السريع، والمتحدث باسم الدعم السريع نفسه من المؤتمر الوطني ونائب الرئيس البشير أيضًا مع الدعم السريع. وأيضًا يوجد أحد الأشخاص المستقيلين من الدعم السريع كان أحد أهم أسباب استقالته أن الدعم السريع خاضع لنفوذ المؤتمر الوطني ومن هنا، فالحرب كلها -بحسب التقارير والواقع- تدور حول عدم قبول الدعم السريع داخل الجيش.
ومن هنا نتوقف أمام نظرية "فشل المساومة"، وأحد أهم عناصرها التي تعتمد عليها هو أنه إذا كانت القضية في مجال المساومة لا يمكن قسمتها على اثنين، وبالتالي الدعم السريع كان لديه خط أحمر بأنه لا يندمج، وخاصة أنه حال اندماجه يكون قد فقد كل شيء، وخاصة أنه مكون من ميليشيا وقوى عسكرية أسرية. ومن هنا أعتقد أنه بغض النظر عن كل السرديات، فالسردية الحقيقية للحرب هي محاولة الاستيلاء على الحكم من الدعم السريع بدعم خارجى.
وأتصور أيضًا بأن فشل وقف الحرب من جانب الخارج متعدد الطبقات، حيث توجد عوامل لذلك، ويوجد فشل وانقسام في القمة والقاعدة. فالقمة مشتتة وليست لديها رغبة في المساومة، مثل مصر وأيضًا الاتحاد الأفريقي، وخاصة أن كل طرف يعمل فيتو على الطرف الآخر. وفى القاعدة فالطبقة السياسية منقسمة، والمجتمع السوداني منقسم أيضًا على نفسه. ولنا في الفاشر نموذج بخلاف الوضع في دارفور، وأيضًا نموذج حفتر لا يجوز تطبيقه في السودان، والسبب أن مكونات المجتمع السوداني متضادة. وبجانب ذلك أيضًا الخلاف الإقليمي، ويوجد إحدى المقالات التي أشارت في وقت مبكر إلى أنه إذا جلست أبوظبي والرياض مع بعض، سنكون أمام حل المشكلة بشكل واضح. ومن هنا فإن الخلافات الإقليمية بجانب أن السودانيين ليست لديهم رغبة للجلوس مع بعضهم البعض، وبالتالي أصبحنا أمام تعقيد إقليمي وسياسي واجتماعي.
والسؤال: هل من أمل؟ أتصور أن نكون أمام خريطة طريق، ويعقب ذلك مسألة وقف العداءات، ثم وقف إطلاق النار، وبالتالي عملية سياسية شاملة وذلك بشكل كامل، وليس تفعيل هدنة بدون إطار وخريطة واضحة. ولا يوجد شخص عاقل يقبل بهدنة ليست على أساس واضح ولها إطار. وهذه رؤيتي عن الواقع، وليس كما يتحدث الإعلام الذي يقدم صورة مختلفة. حيث وصل الأمر بالبعض إلى تصوير أن الحرب هي بسبب النظام السابق وأن الإسلاميين السبب ... الأمر ليس بهذه الصورة التي تقدم في الإعلام.

الدكتور محمد عاشور:
- السودان يشهد تفككاً تاريخياً: من مركز مهيمن إلى 10 هوامش مسلحة تتصارع
- الحرب تخلق اقتصاداً موازياً.. وشبكات مصلحة تعتمد على استمرار الصراع
- السلاح أصبح مصدر شرعية بدلاً من الدستور.. والقوة تفرض نفسها مكان القانون
- المجتمع يفقد وسائطه الفاعلة.. والنخب تفضل استمرار الحرب لحماية نفوذها
- الخيار واضح: إما دولة قانون أو فصائل تتقاسم الأرض وتعيد إنتاج الحرب إلى الأبد
وعبّر الأستاذ الدكتور محمد عاشور، عن تقديره الكامل لمركز "باستيت" ومناقشاته الثرية في ملفات الشرق الأوسط، مؤكدًا على أنه يتحدث عن هوامش هامة بالملف السوداني، وهو عنوان مداخلته بعد مشاركات الحضور الثرية.
وأشار إلى أنه يتحدث عن "هوامش السودان وتحولات علاقة المركز بالهامش"، موضحًا أنه حين نتحدث عن السودان لا نتحدث عن مجرد حرب أهلية أو صراع سياسي بين طرفين، بل نقرأ تحولات عميقة بين المركز والهامش، تلك العلاقة التي شكلت الإطار الحاكم لتاريخ السودان منذ نشأة الدولة. فالدولة السودانية ولدت وهي تحمل في بنيانها خللاً أصيلاً، حيث مركز يهيمن وأطراف تلحق قسراً بهذا المركز، والشواهد على ذلك كثيرة.
فلم يكن هناك سعي نحو بناء دولة جامعة بقدر ما كان هناك مركز يحتكر القرار والقوة، في مقابل هوامش تبحث عن الاعتراف والمكان والمكانة. وظل السؤال لعقود طويلة: من يسيطر على المركز؟ أما اليوم فالسؤال: هل بقي مركز يمكن السيطرة عليه؟ وهذه هي نقطة المحور الأساسية، حيث أفضت التدخلات الخارجية الطويلة إلى واقع معقد تتداخل فيه حدود المركز والهامش، فلا المركز بقي مركزاً ولا الهامش ظل هامشاً بمعناه التقليدي.
فالمعادلة القديمة القائمة على الهيمنة من جهة والاحتجاج من جهة أخرى انهارت، لتحل محلها شبكة جديدة من الصراعات والمصالح والولاءات العابرة للجغرافيا والسياسات. ومن هنا يمكن قراءة الواقع السوداني باعتباره حصيلة لهذا التبدل في البنية الاجتماعية والسياسية، حيث تراجعت سلطة الدولة وتقدم منطق القوة والسلاح، وبين هذا وذاك تأكلت المؤسسات واتسعت الفجوات الاقتصادية والاجتماعية.
وهنا يمكن الوقوف على عدد من الملامح أولها: فقدان المركز لهيمنته وتحوله إلى ساحة للصراع، حيث أصبح الصراع على من يسيطر على المركز. وتبدل المشهد فلم تعد الأطراف تتحدى المركز من الخارج، بل انتقل الصراع إلى داخل الخرطوم، وأصبح الفضاء يتداخل في شبكات السلاح والذهب والدعم الخارجي. وتحولت علاقة المركز بالهامش من علاقة هيمنة إلى علاقة تفكك متبادل، حيث المركز يفقد السلطة والهامش يفقد ثقته بالدولة الجامعة.
الملمح الثاني: ضعف المجتمع المدني وتآكل النسيج الاجتماعي، حيث أدى طول أمد الصراع إلى هشاشة البنية الديموغرافية والمدنية والاجتماعية، وأصبح المجتمع يعيش بدون وسائط فاعلة والملمح الثالث: خلق الحرب لاقتصاد خاص بها، حيث أصبح هناك اقتصاد قائم على الحرب، مما أدى إلى إحداث تغذية ذاتية لها. وقد تشكلت شبكات علاقات ومصالح من مصلحتها استمرار الحرب.
الملمح الرابع: تفتت المركز وتكون هوامش جديدة مسلحة، فاستمرار الميليشيات خارج الإطار المؤسسي للدولة وغياب الحسم وتوازن القوى لا يمثل مجرد أزمة أمنية، بل تحول بنيوي يعيد صياغة العلاقة بين المركز والهامش. فبدلاً من مركز واحد يحتكر القرار والقيادة، تتكون اليوم مراكز محلية متنافسة تستمد شرعيتها من السلاح والموارد الذاتية، وليس من الدستور أو القانون. وهو ما يبقي السودان على حافة التفكك الشبيه بما شهدته الصومال، حيث تتآكل مؤسسات الدولة المركزية ويستبدل بها سلطات أمر واقع تربطها ببعض مصالح لا منطق الدولة. مع الإقرار بطبيعة الحال بأن ما نعاينه لا يعد انهياراً كاملاً بحال من الأحوال، إلا أنه بمثابة مقدمات واضحة لانزلاق تدريجي نحو تعدد المراكز وتكاثر الهوامش والملمح الخامس: غياب الإرادة السياسية بما يعمق منطق السلاح، فمن أبرز مظاهر الخلل في علاقة المركز بالهامش هو أن الإرادة السياسية لإنهاء الحرب شبه غائبة لمصالح ورؤية كل طرف. فالنخب التي خرجت من المركز والتي صعدت من الهامش تتفق على شيء واحد وهو أن استمرار الحرب يضمن بقاء النفوذ، فالتهدئة ليست سبيلاً. وهذا الأمر كرس سردية أن الحقوق لا تنال إلا بالسلاح والقوة، وهي الذهنية التي بدأت في الجنوب في الخمسينيات ثم دارفور، وتُعاد اليوم في قلب العاصمة نفسها. وبلا شك فإن كل عام يمر يتشكل فيه أجيال لا تعرف سوى الحرب وتعيش عليها، مما يعني أننا لا نخسر فقط البنية التحتية، بل نخسر رأس مال السلام وهو البشر.
الملمح السادس: تحول منطق الحرب إلى نظام حكم، فمنطق الحرب لم يعد مجرد حالة طارئة بل نظام تفكير متكامل، جوهره جعل السلاح الوسيلة الأساسية لإدارة المصالح. ولذا فإن فهم الانسداد والتداعي على الساحة السودانية يتطلب التعرف على منطق اللجوء إلى السلاح، والذي يتمثل في أربع ركائز أساسية: أن القوة تفرض شرعيتها، وأن من يملك السلاح يُسمع له أمام المدني فيُهمش، وأن الحقوق تنتزع بالقوة والدولة لا تستجيب إلا لحالة التمرد، وأن الولاء للسلاح أقوى من الولاء للوطن، فالمقاتل يدين لفصيلته وميليشياه لا للمؤسسات الوطنية، وأيضاً أن الحرب أصبحت مصدر رزق والملمح السابع: أن وقف القتال لا يكفي ما لم يكسر منطق الحرب، فوقف إطلاق النار يوقف نزيف الدم ولكنه لا يوقف العقلية التي تنتج هذا الأمر. فكل اتفاق سلام لا يغير العلاقة بين السلاح والسلطة محكوم بالفشل، وتاريخ السودان زاخر بالأمثلة على ذلك.
الملمح الثامن: إعادة تأسيس العلاقة بين المركز والهامش شرط لازم لبقاء الدولة، وذلك لن يتحقق إلا عبر التحول من دولة الامتيازات إلى دولة الحقوق، ومن شرعية القوة إلى شرعية القانون، ومن مركز يحتكر إلى وطن يتشارك والملمح التاسع: تشابك الإقليمي وتدويل الصراع يعقدان الحرب في السودان، حيث أصبحنا أمام شبكة معقدة.
وختاماً، يمكن القول إن العلاقة بين المركز والهامش لم تعد مجرد علاقة جغرافية أو سلطوية، بل أصبحت سؤالاً وجودياً. وعليه، لن يتحقق السلام في السودان ما لم يتم كسر منطق الحرب بكل تجلياته، وعلى رأسها التجليات المسلحة خارج الدولة. فإما دولة تحتكم للقانون، أو فصائل تتقاسم الأرض والثروة وتعيد إنتاج الحرب إلى ما لا نهاية.

الدكتورة راوية توفيق:
- الولايات المتحدة تفضل تفويض الملف للسعودية والإمارات لحسابات جيوسياسية أوسع
- واشنطن تبحث عن مخرج اقتصادي يرضي جميع الأطراف كمدخل للحل السياسي
- الدعم السريع أصبح واقعاً لا يمكن تجاهله.. وصعب دمجه في أي هيكل مستقبلي
- التشكيلات الموازية تعقد المشهد العسكري وتحتاج حلولاً غير تقليدية
- الجيش السوداني 'ليس على قلب رجل واحد'.. والانقسامات الداخلية تظهر في كل مفاوضات
وعبّرت الأستاذة الدكتورة راوية توفيق، عن تقديرها لدور مركز "باستيت" ومناقشاته الثرية حول حوارات الشرق الأوسط.
وأكّدت أن مداخلتها في النقاش ستكون في إطار الدور الأمريكي، الذي تتفق وتختلف حوله مع ما طرحته الدكتورة أماني الطويل. موضحةً أنها تتفق مع تقييم دور الإدارة الأمريكية السابق (إدارة بايدن)، حيث استدعت في هذا الصدد حديث "مولفي" - التي كانت تعمل في المبنى المجاور في جامعة ييل، والتحقت بالجامعة بعد انتهاء فترة عملها مع إدارة بايدن - والتي رفضت أثناء تنظيم جلسة عن السياسة الأمريكية في السودان حتى استخدام مصطلح "سياسة" من وجهة نظرها، لأن السودان لم تكن أولوية، وبالتالي لم تكن حاضرة في السياسة الأمريكية. مما وضع السودان في مرتبة متدنية من الأولوية، واتسم الموقف الأمريكي بما يمكن تسميته "مصادر خارجية" أو الاعتماد على الأطراف الإقليمية.
كما اتفقت الدكتورة راوية أيضًا على وجود انحياز للأفكار التقليدية، مثل الحديث عن دمج الدعم السريع بشكل تقليدي ومباشر، بغض النظر عن المصادر التي يعتمد عليها في تقييم الوضع في السودان.
وقالت أنها ستختلف فيما يتعلق بالملامح التي ظهرت مع الإدارة الأمريكية الجديدة، معربةً عن اعتقادها بأن هناك سمات عديدة للاستمرارية في الواقع، أهمها الاعتماد على القوى الإقليمية وعدم الاستعداد لانتقادها علنًا: ورغم أن حديث وزير الخارجية الأمريكي عن ضرورة ممارسة ضغط على القوى الإقليمية الداعمة للدعم السريع كان إشارة إلى ذلك، إلا أن استمرار تجنب ذكر هذه القوى بشكل علني وصريح يدعم فكرة الاستمرارية. واستشهدت في هذا السياق بحديث مباشر مع دبلوماسيين كثر، أفاد بأن هذا الاعتماد ليس كليًا على هذه القوى، ولكن هناك حاجة لها في ملفات أخرى. موضحة أن الحديث هنا عن القوى الإقليمية الداعمة للدعم السريع، وأن الأمر لا يتعلق بقضايا إعمار غزة بقدر ما هو مرتبط بقضايا دولية أخرى وفي قارات أخرى، مثل المنافسة مع الصين، ومشاريع الربط بين الهند وأوروبا عبر الخليج كمنافس لمبادرة الحزام والطريق الصينية. وبالتالي، فإن هذه القوى الإقليمية قد تشكل حاجزًا أمام القوى الإقليمية المنافسة، ويبدو أن سياسة التجنب هذه مستمرة.
وأشارت إلى أن الولايات المتحدة يبدو أن لديها تصورا لمخرج أو مدخل اقتصادي، إذا جاز التعبير، بمعنى وجود مدخل اقتصادي يسمح بتحقيق مكاسب للأطراف المختلفة. فبالإضافة إلى الحاجة للإصلاح العسكري والسياسي، هناك إصلاح اقتصادي في توزيع الموارد، ولكن تبقى الحاجة لتحقيق مكاسب معينة لكل طرف، وهكذا تُعقد الصفقات السياسية.
وتطرقت إلى مسألة التجنيد البشري المحدود للجيش السوداني التي تحدثت عنها الدكتورة أماني الطويل، معربةً عن اعتقادها أن إحدى القضايا الكبرى هي فكرة "التشكيلات الموازية"، والتي وفرت للجيش السوداني دعمًا معينًا في مناطق محددة. وللأسف الشديد، أصبح من الصعب في المستقبل الحديث عن دمج الدعم السريع – إذا كان ذلك لا يزال واردًا من الأساس – وهذه مسألة كبيرة في ضوء الأوضاع الميدانية.
وأكدت أن مسألة صعود القبيلة موجودة على المستوى الشعبي، لكن على مستوى النخبة، لا تزال التفاهمات عابرة للقبيلة والانتماءات القبلية واختتمت مداخلتها بتساؤلات هامة: هل نحن الآن أمام وجود دولتين على أرض الواقع، يستحيل معهما العودة إلى الوراء؟ معربةً عن اعتقادها أن هذه المسألة تحتاج إلى مناقشة مفتوحة وإذا تحدثنا عن اتفاق ما، فلا يجب أن يقتصر الحديث على الطرفين الأساسيين فقط، بل يجب أن يشمل التقاطعات المشتركة بين الأطراف المختلفة مشيرة إلى أن السنوات السابقة أثبت أن الجيش السوداني "ليس على قلب رجل واحد"، ومستشهدةً بأن الاتفاق الإطاري كان قد قَبِل به البرهان، بينما يوجد آخرون مختلفون معه داخليًا.

الدكتورة عبير ربيع:
- لاجئو السودان في القاهرة يظهرون صموداً اقتصادياً مذهلاً رغم التحديات
- السودانيون يعيدون بناء حياتهم عبر مشروعات صغيرة.. ويخلقون فرصاً من لا شيء
- تتساءل عن التقاطعية الطبقية والعرقية وهل تنتقل مع اللاجئين من دارفور إلى أحياء القاهرة ؟
- العقوبات الدولية تضرب التحويلات المالية وتعيق صمود النازحين
- القاهرة تمثل فرصة رغم الغموض الإداري.. بينما كامبالا واضحة لكنها مكلفة
ومن ناحيتها، قالت الدكتورة عبير ربيع، إن اهتمامها ينصبُّ على المجتمع المدني، ومن ثم تطرح عدة تساؤلات:
أولاً: يتعلق الأمر بمشهد عودة السودانيين إلى السودان، أو بقائهم خارجَه. فمن الذي عاد إلى السودان؟ ومن الذي لا يزال موجوداً في الخارج؟ وهذا ما نرصده بوضوح على منصات التواصل الاجتماعي، وخاصةً بين الموجدين داخل مصر. وتبرز هنا فكرة "الصمود"، وإلى أي مدى هم قادرون على الاستمرار، خاصة في القاهرة، وفي ظل الضغوط المعيشية فيها.
فأحياناً أفكر في الجانب الإيجابي للانتماءات الأولية، المتمثل في فكرة "النفير" والتضامن، حيث نراهم يدعمون بعضهم بعضاً اقتصادياً واجتماعياً، ويحافظون على مظاهر الحياة بمختلف أشكالها. ولكن من ناحية أخرى، لا تزال لديَّ تساؤلات دون إجابات واضحة، مما يبرز أهمية إجراء دراسات ميدانية ترصد تأثيرات هذه الأوضاع على الحياة اليومية للمجتمع، وهو أمر غير متوفر بشكل كافٍ.
فعلى سبيل المثال، عندما طرحت الدكتورة أماني الطويل مفهوم العقوبات ومدى فعاليتها، قد نجد أنها على المستوى السياسي ليست فعالة، لكن على مستوى الناس العاديين تكون مؤثرة، حيث تتأثر التحويلات المالية التي يعتمدون عليها.
كما أفكر في الوضع في غرب السودان، وتحديداً في الفاشر، وأهل دارفور الذين كانوا موجودين في القاهرة كلاجئين حتى قبل الحرب. هنا يبرز سؤال عن مدى "الصمود" والتضامن بين أهل الشمال وأهل دارفور، وأي تقاطع مع واقع غرب السودان. وهذا يقودنا إلى فكرة "التقاطعية" بين الهوية والمنطقة، وهل انتقلت معهم فكرة "المركز والهامش"؟ وبالتالي، هل نرى تقاطعاً بين العوامل الطبقية والعنصرية؟ وهل هذا يحدث بالفعل أم لا؟ هذه أسئلة شديدة التشابك مع الموضوعات الكبرى المطروحة في النقاش.
أما الجزء الثاني الذي أفكر فيه، والمستند إلى أكثر من دراسة، فيتعلق بالمشروعات متناهية الصغر وإعادة تشكيلها في مناطق النزوح، وخاصة في القاهرة. حيث مثلت القاهرة فرصة كبيرة رغم العوائق، خاصة إذا قارناها بكامبالا (أوغندا)، التي تتسم بوضوح الإجراءات لكنها مرتفعة التكلفة، بينما في القاهرة التكلفة أقل لكن هناك غموض في الإجراءات، مما يخلق نوعاً من التخبط ويؤثر سلباً على قدرة الناس على الصمود. وهذا بدوره يفتح الباب أمام نوع من التفاوض بين القاهرة والسودان في وضعه الحالي. فصحيح أن السودانيين موجودون في القاهرة ويعيشون كما لو كانوا في بلدهم، ولكن إلى أي درجة تساعد هذه الظروف الناس على الصمود والاستمرار؟

الدكتور سمير رمزي:
- نحن على مفترق طرق: دبلوماسية مصرية مكثفة تواجه معركة عسكرية بلا أفق
- مبادرة دول الجوار تمثل الضمانة الوحيدة لوقف نزيف السلاح عبر الحدود"
- واشنطن تتعامل مع السودان كملف استراتيجي مرتبط بأمن البحر الأحمر
- الحل العسكري مستحيل.. ووقف إطلاق النار الفوري شرط لأي تفاوض
وقال الدكتور سمير رمزي، : "ستكون مداخلتي مركزة ومختصرة بشأن الدور الأمريكي في السودان. أظن أنه قد يكون هناك عدم اتساق في بعض المواقف، لكن هناك ثوابت من خلال متابعتي للشأن السوداني.
المسألة الأولى تتعلق بالقاعدة الأمريكية في البحر الأحمر، وهي مسألة استراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية، ويمكن القول إن الجيش السوداني متداخل في هذه المسألة. ومن ثم يقترب ويبتعد من روسيا من وقت لآخر، ويضبط إيقاع علاقته معها وفقًا لإيقاع علاقته مع أمريكا. وأظن أن هذه المسألة كانت مرتبطة برحيل البشير نفسه، خاصة أن رحيله جاء بعد تفاهمات مع روسيا بهذا الشأن، وتفاهمات أخرى مع تركيا.
المسألة الثانية التي تربط الموقف الأمريكي بالسودان هي مسألة الإسلاميين، وأظن أن مسعد بولس المبعوث الحالى كان له تصريح بأن الإسلاميين في السودان يمثلون خطًا أحمر. ولا ينبغي أن ننسى أن إدارة ترامب هي الإدارة التي كانت موجودة في الفترة التي حدثت فيها الثورة السودانية، والتي صاغت خريطة الطريق التي تم على أساسها تشكيل الحكومة المدنية العسكرية. ومن هنا، نجد أن لإدارة ترامب تداخلاً مختلفًا عن إدارة بايدن التي كانت في رأيي أكثر ترددًا في الشأن السوداني.
أما المسألة الثانية فهي خاصة باللحظة الحالية، وتوصيفها من وجهة نظري أنها "مفترق طرق"، حيث إننا أمام فرصة كبيرة نستطيع أن نستثمرها ونعمل عليها لإقامة السلام في السودان. وأظن أن الدبلوماسية المصرية على دراية بهذا الأمر وتكثف جهودها، والبديل لها هو معركة عسكرية بدون أفق سياسي. وأتصور أننا إذا لم نستثمر هذه الحالة بالزخم الدولي وبالبعد الإنساني للمسألة، وعلى السودانيين استثمارها بشكل أكبر... خاصة أن الصراع العسكري في السودان يحمل ملمحًا خطيرًا وهو أنه صراع مفتوح من اللحظة الأولى، حيث استعان كلا الطرفين بأطراف من الخارج وانفتحا على استيراد أسلحة من مختلف الجهات. وهنا تكمن خطورة المسألة، لذا لا بد من التوصل لوقف القتال العسكري حتى لو لم نتوافق على اتفاق سياسي، منعًا لتدهور الأوضاع أكثر. وبالتالي، فالحل العسكري لا يحقق المراد، لكنه يحقق المناخ الملائم للمفاوضات السياسية.
وبالنسبة لمسألة الهدنة وعدم قدرتنا على الوصول لها حتى الآن، أظن أن المسألة التي لا بد أن ننطلق منها هي الواقع الميداني. فالجيش السوداني لم يعلن حتى الآن موقفه الحاسم من الهدنة بسبب الأوضاع الميدانية ومنها أن أن الدعم السريع يستثمر فترات الهدنة لجلب مواد لوجستية من الخارج وأسلحة لاتخاذ وضعية عسكرية جديدة، تمهيدًا لمعاودة قتال الجيش. وهذا هو العائق الأكبر... لذا لا بد أن نكون أمام أهمية وجود تعهدات واضحة خلال الهدنة لمواجهة هذه الجزئية، وعدم إتاحة الفرصة للدعم السريع بأي إمداد إبان الهدنة وينطبق الأمر على الجيش.
ومصر كانت لديه مبادرة مهمة جدًا، وهي مبادرة دول الجوار، إلى جانب مبادرة اللجنة الرباعية. وأتصور أن دول الجوار عليها دور مهم في مسألة إمداد السلاح، وأظن أن الدبلوماسية المصرية تحركت في هذا الشأن، ومنها محادثات مع كينيا وتشاد، وبالتالي فإن تفعيل مبادرة دول الجوار أصبح ضرورة ملحة".

الدكتور أحمد يوسف أحمد:
- التوافق الداخلي السوداني شرط أساسي.. فالاتفاقات الإقليمية وحدها لا تكفي
- الحرب أصبحت 'مهنة مربحة'.. والفصائل لا تريد توقفها لأنها مصدر رزقها
- أخشى من تكرار سيناريو اليمن: اتفاق إقليمي بلا إرادة محلية للتنفيذ
- المتغيرات الداخلية تظل الحكم.. والخارج يلعب على الهوامش فقط
وعقب الأستاذ الدكتور أحمد يوسف أحمد، قائلاً: "يبدو لي تخوف واضح من كل الأطروحات التي شهدتها الجلسة، خاصة بالموقف الداخلي للسودان الذى بدا لي شديد التعقيد. ومن واقع خبرات الصراعات السابقة، دائماً ما أعطي للمتغيرات الداخلية القيمة الأعلى والوزن الأكبر، لأنه -على سبيل المثال- عندما اتفق الطرفان الإقليميان الرئيسيان في الصراع باليمن، وهما السعودية وإيران، لم يحدث أي شيء طالما أن ما يسمى بالشرعية والحوثيين مازالوا غير قادرين على الاتفاق. فأنا أطرح على حضراتكم هذا الهاجس: فأتصور بأن الأطراف الإقليمية قد تتفق، ولكن ما يكن هناك توافق وطني، لن يحدث شيء. خاصة أنه قيل في أكثر من مداخلة، وتكررت كثيراً في الصراعات بمختلف الأقطار العربية، أن الحرب أصبحت مهنة ومصدراً للتكسب. والدكتور غسان سلامة، وهو أكاديمي عربي مرموق، قال: 'للأسف الحرب مستمرة لأن الفصائل تتكسب منها'، وهذه فكرة مرعبة ولكنها حقيقة."
وعقب أيضاً الدكتور عبد الرحمن الغالي، مؤكداً أن: "المشهد لا يحمل اختلافاً كبيراً في الرؤى، ولكن فيما يتعلق بالموقف الأمريكي، أود التأكيد على أن الإدارة الأمريكية تفوض الحلفاء الإقليميين في التعامل مع ملف السودان، وهذا يعقد الأمر ويدعم الصراع، حيث أن المصالح متضاربة. والخلاف ليس فقط مصرياً إماراتياً، وإنما أيضاً سعودي إماراتي، حيث أن السعودية لديها رؤية مختلفة عن الإمارات، وظهرت كثيراً في المواقف الأخيرة. ومع تحديثات كثيرة، أصبحنا أكثر فأكثر أمام إطار بأن الحرب غير مرشحة للتوقف، لأن المزاج العام السوداني لديه تخوف كبير من الدعم السريع، والهدنة بدون إطار. والهدنة التي حدثت في ضوء اتفاق جدة أنتجت مجازر كثيرة، ومن هنا عندما نكون أمام هدنة، لا بد أن يكون هناك إطار واضح ومحدد."
وفي التعقيب الأخير للدكتورة أماني الطويل، أكدت على تقديرها لكل المداخلات، مشيرة إلى أن المشهد معقد، ومن ثم فقد بدأت حديثها باختيار زاوية محددة، ومع تكامل المداخلات اكتملت ملامح الصورة العامة للأزمة في السودان.
وأوضحت أنه لا يمكن إنكار حقيقة النية الإماراتية الرامية إلى استبدال الدعم السريع بالجيش السوداني ، مؤكدة أن هذه مسألة واضحة ولا جدال فيها. كما أعربت عن اتفاقها مع أهمية الأطروحات التي دارت حول آليات الهندنة الإقليمية، معتبرة أن هذا المحور يجب أن يكون أحد التوصيات الرئيسية للجلسة، وأن على مصر أن تنتبه إلى هذه الخطوة الهامة والخطيرة في ضوء الإصرار الإماراتي والإصرار الموازي من قبل الدعم السريع.
ولفتت إلى أن هناك مؤشرات على أن الدعم السريع يبدو وكأنه يؤدي وظائف محددة في إطار استراتيجية أمريكية، تتمثل في كونه قوة مسلحة مهددة في العديد من المناطق. ولم تستبعد أن يتم استخدامه كقوة مضادة لدول الساحل التي شهدت انقلابات ضد النفوذ الغربي، خاصة بعد أن سمحت الولايات المتحدة بتراجع النفوذ الفرنسي من المنطقة تمهيداً لوجودها بآليات جديدة، قد يكون الدعم السريع أحدها، ضمن أولويات أخرى.
وشددت على أهمية توصية أخرى تتمثل في ضرورة فتح المجال أمام الحوارات السودانية-السودانية في القاهرة، مؤكدة أن القاهرة قادرة على استضافة هذه الحوارات، وعلى مراكز الأبحاث فتح أبوابها للحوار مع السودانيين، خاصة في ظل خطابات الاستقطاب المرعبة السائدة. فمجرد جمع الأطراف يمثل ضرورة ملحة، ويمكن من خلاله معالجة العديد من المشاكل على أرض الواقع.
وأخيراً، أشارت إلى أن النقطة المتعلقة بمسألة الإرادة الداخلية السودانية تبقى مسألة محورية، فمهما اتفقت القوى الإقليمية، يبقى الاتفاق الداخلي بين السودانيين هو الضامن الوحيد للحفاظ على السودان، وهو الذي ينقذ المصريين من اتهامات الوصاية التي تثار مع أي تدخل لهم.