في سياق المشهد السياسي المتصلب بالشرق الأوسط، ثمة معادلة جديدة تشق طريقها، ولكن بثبات. تلك المعادلة لم تكن غير متوقعة لدى العديد من الفواعل الثانوية التى تسعى لأن تحظى بدور تصاعدى بجانب إسرائيل بالمنطقة، وبمباركة واشنطن، ما قد يفضي إلى عقد جديدة بالكامل من التفاعلات السياسية والأمنية في الإقليم.
القاهرة ومعادلات الشرق الأوسط الجديد:
منذ 7 أكتوبر2023، تسعى تل أبيب لفرض العديد من المقاربات السياسية على منظومة الإقليم العربى، برعاية أمريكية، متخذة فى ذلك عقيدة "الإحلال والتفكيك" للكيانات العربية، خاصة مع رؤيتها الاستخباراتية التى عبر عنها يوسي كوهين الرئيس الأسبق للموساد الإسرائيلي: "أن الدول العربية ليست كيانات مستقلة ذات إرادة كاملة، بل نقاط ضغط، وأدوات تنسيق، وجدران لا بد من هدمها أو التعامل معها أو الالتفاف عليها — باستثناء دولة واحدة هي مصر!!".
بالمقابل، تُدرك القاهرة ما يحاك من مقاربات سياسية تستهدف إعادة ترسيم الشرق الأوسط بمختلف أبعاده الجيوسياسية، وكذلك ما يتعلق بترتيبات "مراكز الثقل"، وخلق "كيانات ثانوية" تحمل أجندات خارجية تخريبة. وعليه، كان لابد للقاهرة أن تضطلع بدورها التقليدي "كضامن للتوازنات" عبر سياسات "النقض الإقليمي" التى شكلت التوازن المطلوب فى مجمل الأطروحات القائمة والمُحتملة بالمنطقة.
وعليه، راهنت القاهرة على فرض تصوراتها ومرئياتها، برغم كم العقبات وممارسات التقويض والضغط والمحاصرة التى فُرضت عليها دوليا وإقليميا، إذ نجحت القيادة السياسية فى إنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة، وانتزاع توافقات أممية وإقليمية برعاية أمريكية على خطة إعادة الإعمار، وما يُبنى عليها من ترتيبات سياسية لاحقة تضمن حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، وفي الاضطلاع بدور فاعل على الصعيد المحلي، وفى التمتع بالسيادة. وهو ما شُكل "صدمة إستراتيجية" على كافة الأوساط الأمنية والسياسية إقليميا ودوليا، وصاغ معادلات تحليلية جديدة، قوامها:
- إدراك ثقل القاهرة "كموقع قوة"، إتساقا مع العديد من الإختبارات أبرزها دحض المشروعات الإسرائيلية المتباينة بين "الممرات الإنسانية"، و"مدينة الخيام"، و"نزوح فلسطيني" خارج قطاع غزة. فقد تم وأد كافة الخطط والمشروعات الإسرائيلية الأمريكية ذات المباركة من بعض العناصر الإقليمية، والداعمة لإعادة تغير التركيبة الديموغرافية للإقليم، دون النظر لـ"حسابات اللحظة" والأبعاد الأمنية لمستقبل القضية الفلسطينية.
- التغير فى السياسات المصرية فيما بعد 30 يونيو، خلق مساحات متنوعة للتفاوض، وكسر المنظور الآحادى بالمعادلات الأمنية للإقليم. فالقاهرة اليوم تُعد مساهم فاعل ومؤثر بالمنظومة الدولية الجديدة، وليست مجرد تابع كشأن العديد من الكيانات الثانوية والفرعية بالإقليم، وذلك إتساقا مع تحلل القاهرة من "المنظور الآحادى لتحالفات القوة"، وتنويع العلاقات مع كافة القوى الكبرى ومختلف التجمعات السياسية والأمنية والاقتصادية والتنموية. على نحو ما يُصعب معه التأثير المباشر أو تقويض الثوابت المصرية وتجاوز رؤيتنا تجاه ترتيبات الشرق الأوسط الجديد.
- شكلت عقيدة القيادة السياسية المصرية "صدمة جوهرية" لدى مختلف الأجهزة السياسية والإستخباراتية على المستويين الإقليمي والدولى. إذ مخطئ من يظن أننا مجرد لاعب سياسي تفرض عليه إملاءات خارجية كشأن أغلب اللاعبين العرب، بل فرضت قيادتنا "معادلات توازن" مغايرة تماما لكافة المبادرات المطروحة مسبقا لمختلف الترتيبات السياسية والامنية لما يُعرف بالشرق الأوسط الجديد، تُبنى على أسس السيادة، والأمن المجتمعى، والأمن الإستراتيجى للإقليم ككل.
دفعت الاختبارات الأمنية والسياسية المتلاحقة بإقليم الشرق الأوسط إلى انتهاج القاهرة ما بات يُعرف بـ"عقيدة الصدمة"، لتشكل بدورها "التوازن الإستراتيجي المرن" بكافة الترتيبات الإقليمية بالدول المأزومة بالإقليم، إذ تُدرك الدولة المصرية - قيادة وشعبا - أن التعافي المستدام لإضطرابات الإقليم لا يمكن أن يتحقق من دون معالجة الأسباب الجذرية للنزاع والدمار. لذا، تتحرك القاهرة - الوسيط الأكثر نزاهة وحيادية - بمختلف المسارات لربط ترتيبات خطط "اليوم التالي" لكافة دول الصراع بعملية سياسية أوسع وأشمل وأكثر عدالة، وطرح الحلول الواقعية وخطط التسوية القابلة للتطبيق، بمنأى عن سياسات "الاستثمار بالأزمات" و "رأسمالية الكوارث". وهى تلك السياسات الحرجة التى تلمسناها فى الأجندات البرجماتية لعدد من الوسطاء بالعديد من الدول على المستويين الاقليمي والدولى.