رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

قناة السويس.. حفرت بدماء المصريين وسرقت بامتياز فرنسي واستغلال أجنبي

قناة السويس حفرت
قناة السويس حفرت بدماء المصريين وسرقت بامتياز فرنسي

قناة السويس كانت حلمًا مصريًا بامتياز، صنعها المصريون بأيديهم وعرقهم، وضحّى آلاف منهم بروحه في سبيل إنجاز هذا المشروع التاريخي قبل أكثر من 170 عامًا، كان ربط البحرين الأبيض والأحمرمجرد فكرة على الورق، لكن مع فرمان امتياز حفر القناة الذي وقعه محمد سعيد باشا لـ  فرديناند ديليسبس تحولت الفكرة إلى مشروع عالمي نفذه المصريون بأنفسهم، حيث كانوا العمود الفقري لهذا الإنجاز، واضطر الكثير منهم للتضحية بحياتهم في أشد ظروف العمل قسوة تحت الشمس الحارقة.

 

من الفكرة إلى الامتياز

في 30 نوفمبر 1854، منح محمد سعيد باشا، حاكم مصر آنذاك، المهندس الفرنسي فرديناند ديليسبس امتياز حفر قناة السويس  وبرغم أن فترة حكم سعيد باشا شهدت بعض الانفتاح الاقتصادي، إلا أن نصوص الامتياز أثقلت كاهل الدولة، وارتفع الدين المصري إلى نحو 20 مليون جنيه إسترليني، وهو مبلغ هائل لم تُستثمر معظم موارده في مشروعات منتجة.

تضمنت شروط الامتياز أن تكون مدة المشروع 99 عامًا من تاريخ افتتاح القناة، وأن تحصل الشركة على إعفاءات جمركية، واستخدام المناجم والمحاجر الحكومية بلا ضرائب، مع حق استغلال الأراضي غير المزروعة لريها دون ضرائب لمدة عشر سنوات، ثم بضريبة العُشر لمدى 89 سنة، مع إلزام الشركة بشق ترعة إسماعيلية على نفقتها، واكتفت الحكومة المصرية بحصة 15% من صافي أرباح الشركة فقط، دون أن يكون لها دور في تنفيذ أعمال الحفر.

 

الحذر من الأطماع الأوروبية

قبل ذلك، عرضت فرنسا فكرة القناة على محمد علي باشا، الذي رفضها خوفًا من التدخل الأوروبي، وقال عبارته الشهيرة: «لا أريد بوسفورًا في مصر»، مشيرًا إلى أن المضائق المائية تجر تدخل القوى الأجنبية، وتحول بلاده إلى ساحة للصراعات الاستعمارية، كما استشار محمد علي باشا وزراء أوروبا، وأبرزهم دي مترنيج النمساوي، حول ضرورة إبرام معاهدة دولية لضمان حرية الملاحة وحياد القناة، لكن فرنسا وإنجلترا وقفتا ضد هذا الحل، ولم تلتزم به إلا بعد عقود، مع اتفاقيات عام 1888 والتصديق عليها في 1904.

ديليسبس والسخرة.. استغلال المصريين

عقد  الامتياز الأول لم يتطرق لمسألة العمالة، لكن ديليسبس أصدر عقدًا ثانٍ في يناير 1856، منح الشركة امتيازات جديدة، وأتاح لها استخدام أربعة أخماس العمالة المصرية في أعمال الحفر.

وفقًا للدكتور عبد العزيز الشناوي، تحولت هذه المادة إلى أساس للسخرة، حيث تم تنظيم لائحة لتجنيد المصريين قسرًا، ودفع أجور زهيدة أو الامتناع عنها أحيانًا، ووصل عدد العمال إلى عشرين ألفًا شهريًا في عام 1862، تحت أشعة الشمس المحرقة، في أكبر حشد للعمال في تاريخ المشروع رغم توفر الآلات الميكانيكية، فضل ديليسبس الاعتماد على العمالة المصرية، وهو ما أدى إلى معاناة كبيرة، بينما ذهبت الأرباح والمكاسب إلى الشركة الفرنسية والدول الأوروبية التي سيطرت لاحقًا على القناة.

الهيمنة الاستعمارية

إدراك محمد علي باشا للخطر كان دقيقًا، حيث أراد أن تتولى شركة مصرية تنفيذ المشروع مع ضمانات دولية لحرية الملاحة، لكن وفاته وحكم حفيده عباس حلمي الأول (1848-1854) غيّر المعادلة، فرفض عباس المشروع الفرنسي وسعى لتزايد النفوذ الإنجليزي على حساب المشروع.

القناة التي كانت مجرد صحراء قبل قرنين، تحولت إلى ممر استراتيجي يربط الشرق بالغرب، لكن ثمنها كان دماء وآهات المصريين، وقصتها درس صريح عن التوازن بين التحديث الوطني والطموحات الأجنبية.

 

عزيمة حولت الحلم إلى مواقع

قناة السويس تظل شهادة على إرادة المصريين وعزيمتهم في تحويل الحلم إلى واقع. آلاف الرجال عملوا فيها بعرقهم وجهدهم، لكن الامتياز الفرنسي ونفوذ القوى الأجنبية سرق جزءًا من إنجازهم. ومع ذلك، يبقى الإنجاز المصري واضحًا، يروي قصة وطن صنع بأيدي أبنائه وحفر المستقبل في قلب الأرض.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء