رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لقطة وحيدة استوقفتني بين صور تداولتها منصات رسمية عالمية من دهاليز قمة العشرين G20 التي احتضنتها "جوهانسبرج"، أظهرت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جاثياً على ركبتيه في حوارٍ هامس مع رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا!

الصورة عكست سلوكاً خارقاً لقواعد البروتوكول الرسمي، ربما سعياً لإظهار إشارات الدعم الفرنسي لجنوب أفريقيا، وسط المناخ المُحتدم الذي رافق انعقاد القمة، مع إحجام الولايات المتحدة عن المشاركة بها رغم تسلمها رئاسة الـ G20، وتحدي كيب تاون للصلف الأمريكي، برفض تسليم الرئاسة لممثل السفارة الأمريكية، الأمر الذي دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتلويح غاضب بعدم دعوة جنوب أفريقيا لحضور قمة مجموعة العشرين لعام ٢٠٢٦ التي ستعقد في مدينة ميامي بولاية فلوريدا العام المقبل.

رغم تلك الأبعاد السياسية والدبلوماسية، رأيت في هذه الصورة غير المألوفة التي جمعت الرئيسين ماكرون ورامافوزا، بعدا جيوسياسيا يتعلق بانعكاس جديد لصورة أفريقيا في أعين العالم، وبخاصةٍ عين دولة عظمى مثل فرنسا، وهي أحد كيانات استعمارية كبرى سيطرت لعقود على أقطار شاسعة من القارة الأفريقية، لم يكن بينها جنوب أفريقيا التي خضعت لسيطرة بريطانيا؛ حيث تركزت هيمنة فرنسا في وسط وشمال غرب أفريقيا، وتساءلت: هل كان بالإمكان تخيل رصد صورة كتلك حتى نهايات القرن الماضي؟

الإجابة: بالطبع لا، فقد اقترن استعمار القارة الأفريقية بنظرة استعلائية كانت ترى تميزا أوروبيا في مقابل خضوع أفريقي، واستغلال مقدرات القارة الأفريقية، والتعامل المجحف مع شعوبها كعبيد يعملون بالسُخرة لنقل خيرات بلادهم عبر البحار إلى عواصم البلدان المُستعمرة، وهذه النظرة المتعالية استمرت لعقود بعد انقضاء حقبة الاستعمار ونيل بلدان أفريقيا استقلالها، بل ترك الاستعمار تأثيرا ثقافيا ولغويا في البلدان التي أجلي عنها يستمر حتى هذه اللحظة لفرض هيمنة من نوع ناعم لاتُرى ولكن نلمس تأثيرها.

تشير التقارير الدولية إلى أن هذه النظرة الفوقية من جانب الأوروبيين تجاه أبناء القارة السمراء، وإن خفت حدتها، إلا أنها لم تنقضي بعد، وهذا الواقع تعيشه الأجيال المهاجرة إلى عواصم أوروبا المختلفة المنحدرة من أصل أفريقي، حيث مازالوا يواجهون مواقف عدة من التمييز على أساس عنصري، خاصة عند التقدم لوظيفة أو البحث عن مسكن، وربما الزواج أيضاً، وذلك بنسب تتفاوت بين دولة أوروبية وأخرى، وهذا التمييز وإن كان يمارسه بعض العامة، ولكن يتم دحضه في الخطاب السياسي والرسمي الأوروبي.

وأرجو أن تكون الصورة المقصودة لرئيسي فرنسا وجنوب أفريقيا - التي نشرها الحساب الرسمي للرئيسين على منصتي فيسبوك واكس دون أي غضاضة - عاكسة لتبدل أحكام اللعبة السياسية، وتحول مساعي السيطرة إلى رغبة صادقة في التعاون والتكامل بما يدعم أهداف البلدان في الحفاظ على استقرارها وتنميتها الاقتصادية وخير شعوبها، وكذا تبني الحكومات منطق المصالح المشتركة كبديل عن ميراث الاستحواذ، مدركة أن الأثر الذي يحققه التعاون أكثر عمقاً وأطول عمراً من نتائج فرض الهيمنة.

علمتنا السياسة أن سلوك الرئيس يعكس توجه دولته، ولذا لم أجد في العنوان الذي اخترته للمقال مبالغة، فحين جثا ماكرون على ركبتيه بجانب رئيس جنوب أفريقيا، وكأني رأيت أوروبا تخضع أمام واقع جديد تفرض أبجدياته القارة الأفريقية، فقد تغيرت قواعد اللعبة، وانكسر الصلف الأوروبي السابق على حاجز واقعية أولويات السياسة المعاصرة. 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء