رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مر عام كامل على ما أُعلن إعلاميًا بأنه وقف لإطلاق النار بين حزب الله والجيش الإسرائيلي، لكن الأرقام والتقارير الحقلية والنزيف الأمني يمنح المشهد اللبناني ولا سيما جنوبه وقطاعاته الحدودية طابع تأزم دائم، لا تهدئة. مع تسجيل أكثر من 5,000 اختراق أمني وجوي، وارتقاء ما يزيد عن 600 ضحية، يبدو أن الهدنة تُخفي صراعًا مفتوحًا على الأرض، حيث باتت الجبهات الحدودية ورقة ضغط واستنزاف بدلاً من سياج حماية مستدام.

إن ما يجري من تكرار للقصف، الغارات الجوية، التوغلات المحدودة أو محاولات اختراق الحدود، ليس مجرد خروقات عابرة أو حوادث أمنية بل تكتيك متعمّد من الاحتلال الإسرائيلي للحفاظ على ضغوط مستمرة على الداخل اللبناني. هذه الضغوط ليست إعلامية فحسب، بل عسكرية واقتصادية واجتماعية أيضًا. فكل عملية قصف، كل خسارة بشرية، وكل هجوم على البنية التحتية ينهك صمود السكان، يربك خطط إعادة الإعمار، ويُضعف الثقة بأن التهدئة يمكن أن تتحول إلى استقرار دائم.

في هذا السياق، لا تبدو الهدنة سوى غطاء هشّ، مقابل واقع استنزاف طويل الأمد يطرح سؤالًا كبيرًا: هل نعيش هدنة مفتوحة” أم “صراع مكتفٍ بمرحلة تصعيد متقطع؟

الهدوء النسبي بعد الحرب جعل من حزب الله في وضع معقّد: فهو مكتوف اليد أمام الضغوط الأمنية والدبلوماسية التي تربط بين فكرة نزع السلاح وإعادة الإعمار والسيادة الرسمية. السلاح الذي كان مصدر قوة، تحول الآن إلى عبء سياسي. الشرط الدولي اللبناني لنشر القوات أو فرض الاستقرار يشترط وجود الدولة ومؤسساتها، مما يقلّص هامش المناورة لحزب الله.

السؤال هل حزب الله مقبل على حرب مع إسرائيل؟ لا يمكن الإجابة عليه بـ نعم أو لا قاطع بل الجواب يعتمد على عدّة متغيرات: إرادة السياسيين، قراءة التكلفة والعائد، الوضع الداخلي اللبناني، والضغوط الإقليمية والدولية. لكن إذا استمرت إسرائيل باستهداف قادة أو مواقع مهمة لحزب الله، يمكن أن تُثار ردّة فعل من الحزب خاصة إذا شعر أن التهدئة تُحوّلت إلى استنزاف دائم دون تحقيق أي مكاسب سياسية.  

في ظل هذه المعادلة، قد يكون الحزب أمام خيارين:

1. خيار ردع محدود من خلال  تبنِّي استراتيجية ضبط النفس، تفادي المواجهة المفتوحة، والتركيز على دعم المدنيين وإعادة الثقة بأن الحماية الوطنية” في إطار الدولة ممكنة. هذا الخيار يقتضي غالبًا حَدًّا ذاتيًا من استعمال السلاح، وربما نقاشًا داخليًا حول تحوّل الحزب إلى فاعل سياسي مدني بدل العتاد المسلّح.

2. خيار تصعيد أوسع أو استنزاف طويل الأمد: وفي هذا السيناريو، قد يقع الحزب في فخ تبديل القيادة القيادية التقليدية بوجوه أكثر راديكالية وميدانية للضغط على الاحتلال. مثل هذا الخيار قد يقود إلى سلسلة مواجهات متقطعة تمتد لسنوات، تُرهق البنية التحتية اللبنانية، وتزيد الخسائر البشرية والمادية، وتعمّق حالة النزوح الداخلي أو الخارجي.

ومما يزيد تعقيد المشهد هو التوسع المحتمل للجبهة إلى خارج الحدود اللبنانية. بالاضافة لمؤشرات إسرائيلية على استهداف خلايا شيعية في العراق، وربط ما يحدث في لبنان بما يُسمى الإرهاب الإيراني، يفتح الباب أمام تهديدات متعددة الأبعاد. وتبدو إسرائيل تسعى إلى خلق حزام أمني–إقليمي يطوق الأطراف المقربة لطهران، وليس لبنان فحسب.

وفي هذا السياق، أي انفجار أمني في لبنان قد يُفتعل أو يُستثمر ليتجاوز الحدود، ليشمل امتدادًا جغرافيًا واسعًا وهو ما يعيد لبنان كساحة سريعة للزلزال الإقليمي.

الأزمة الراهنة ليس فقط أمنية، بل اجتماعية واقتصادية. التجاذبات على القيادة، الصراعات السياسية على النفوذ، وضغوط الحياة اليومية تضع المواطن اللبناني في حالة قلق دائم: هل يحيا بأمان؟ هل تُعاد البنى التحتية؟ هل تُعوض الخسائر؟ أو هل يُطلب منه أن يُجهّز نفسه للمزيد من الجراح، نزوح، أو هجرة؟

لبنان اليوم ليس فقط في مفترق طرق عابر، بل في لحظة مفصلية تحتاج إرادة وطنية شجاعة: إرادة تضع مصلحة الشعب وحياة المدنيين فوق كل اعتبار. إذا استمرت المعادلة الحالية حرب مفتوحة أو استنزاف طويل فإن لبنان سيخرج من هذا الدور كجسم مقطوع الأطراف، بلا قدرة على العيش بأمان. والسلاح وحده ليس ضمانًا للأمن، بل مسؤولية وطنية مشتركة. وعلى حزب الله أن يدرك أن أكبر إخفاق ليس في خسارة سلاحه، بل في خسارة لبنان، وفي نسيان شعبه الذي ما زال يؤمن بأنه يستحق حياة كريمة، لا أن يُرمى برداء حرب لا تنتهي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء