يوقظ الذاكرة
صوت الخال ينهض من الورق.. حكاية كتاب الأبنودي ورسم آلام وآمال المصريين
بمناسبة صدور كتاب «عبد الرحمن الأبنودي: شاعر الهوية المصرية» عن المجلس الأعلى للثقافة للناقد رضا عطية، يعود اسم الخال إلى الواجهة من جديد، وكأن التاريخ يفتح درجًا قديمًا يعيد فيه أوراق شاعر ظلّ صوته ملتصقًا بأذهان الناس وأوجاعهم، يكتبهم ما تمليه ذاته، ليعبر بنا الكتاب من بوابة واسعة تقود إلى عالم الأبنودي، ذلك العالم الذي رصد أدقّ التحولات في وجدان المصريين عبر نصف قرن من العواصف السياسية والاجتماعية.
عودة الخال إلى الواجهة
ولد الأبنودي في قرية أبنود بجنوب مصر، وظلّ المكان يسكنه حتى وهو يكتب عن جماهير المدن وعن المعارك الكبرى التي خاضتها البلاد.
لم يكن شاعرًا يراقب من بعيد، بل شاهدًا على زمن تقلب من الأمل إلى الانكسار، ومن الظلام إلى حرب تُستعاد فيها الروح من جديد، لذلك جاءت القضايا الكبرى في شعره أشبه بخرائط شعورية لوطن بكل ما فيه من صراع ومقاومة ولغة بسيطة تعبر عنه.
السد العالي قصيدة عن بناء الإنسان
من بين تلك القضايا كان بناء السد العالي، الحدث الذي تحوّل إلى رمز للحلم الجمعي، ورأى الأبنودي في السد استعارة لبناء الإنسان المصري نفسه، ولقدرته على أن يشقّ طريقه وسط الصعاب، ولذلك كتب عن العمال والفلاحين والمهاجرين الذين غيّر المشروع حياتهم، وكأن السد العالي كان القصيدة التي ألهمته اكتشاف القوة الداخلية للناس البسطاء الذين صنعوا التاريخ دون ضجيج.
وكان من بين ما ورد في ديوانه «جوابات الأسطي حراجي القط العامل في السد العالي إلى زوجته فاطنه أحمد عبدالغفار بجبلاية الفار»، ما يلي:
«أمال كيف العيل حيحس بأبوه جنبه.. إذا كان الأب بعيد؟.. بقى أول ما دلقنا يا فاطنه بابور السد على محطة أسوان
أنا والجدعان.. حسيت بالدوخه».
نكسة 1967.. جرح صاغه الأبنودي بصدق الناس
ثم جاءت نكسة 1967 لتفتح جرحًا في الروح لا يندمل بسهولة، فكان الأبنودي من أوائل من عبروا عن الصدمة من خارج اللغة الرسمية ومن داخل الأوجاع اليومية، فالتقط الخيبة التي ملأت البيوت، وكتب عن الجنود الرجّالة الذين عادوا محمّلين بالأسئلة لا بالهزيمة وحدها، ويلاحظ أنه لم يكتب النكسة كتاريخ، بل كألم شخصي، كأن الوطن كله انطفأ فجأة وترك أبناءه في عتمة لا مفر منها إلا بالاعتراف والانكسار الصادق.
وفي حرب أكتوبر 1973 عاد الأبنودي إلى اللغة ذاتها التي تمسك بالناس، لكنه التقط هذه المرة لحظة استعادة الكرامة، دون أن يكتب الحرب باعتبارها انتصارًا عسكريًا فقط، بل كتبها كعودة لروح كانت تبحث عن نفسها، فكان مع الجنود في خنادق العبور، ومع الأمهات في القرى والنجوع، ومع البلد الذي وقف على قدميه بعد سبع سنوات من الانكسار، وكانت قصائده في أكتوبر أشبه برسائل شكر للوطن الذي نهض رغم الجراح.
مرآة الوطن وذاكرة البيوت
وبين هذه المحطات الكبرى، أعاد الأبنودي تشكيل صورة المرأة في شعره ككيان حقيقي يحمل البيت والذاكرة والخوف والحب والصلابة، فلم ينسَ أمه التي شكّلت وجدانه، ولم ينسَ فتيات القرى وعاملات المدن ونساء الجنوب، بل رأى في المرأة مرآة الوطن، فإذا انكسرت صورتها اختلّ كل شيء.
أما الزمن والموت، فكانا رفيقين دائمين في قصائده، إذ لم يكن الموت لديه نهاية، بل بابًا لمساءلة الذات والقدر، فكان يرى الزمن كنسّاج ماهر لا يتوقف عن سحب الخيوط من أعمار البشر، ولذلك كان شعره مليئًا بالحنين للماضي والخوف على المستقبل والرغبة في تخليد اللحظة قبل أن تُسرق.
من صعيد الخال إلى مدن الحرب والسلام
ويبقى المكان أحد أهم ما شكّل وجدان الأبنودي، حيث حمل الصعيد أينما ذهب، وكتب القاهرة من منظور القادم من الجنوب، وكتب المدن السويسية بعد المعارك كمن يرى الوطن يتشكل من جديد أمام عينيه، فالمكان لديه ليس جغرافيا، بل وجدان، وذاكرة، وشخوص، ولهجة تُحكى كما هي بلا تزيين.